وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق» «1» .
ولم يخرج ابن خلدون في إدراكه لمفهومي العلّة والسبب عن علم الأصول الإسلامي، ولا سيّما التمييز بين العلّة والسبب. فالعلّة نبعة وجود الشي ء والسبب ما به يكون الشي ء، أي عنده وبواسطته وفضله.
وقد تأثّر ابن خلدون بشي ء من التصوّرات المنطقية عند ما تحدث عن تتابع حوادث تاريخية مفردة تفضي إلى اعتبار أوسع للحوادث لجهة انتمائها للمجتمع واشتراكها في تطوّر الدولة. فدرس الحوادث وجمعها، تبعا لحوادث مناسبة، هو جزء من التأثّر بالمنطق. وعاب على المؤرّخين عدم الأخذ بهذا الطريق: «إذا تعرّضوا لذكر الدولة نسّقوا أخبارها نسقا محافظين على نقلها وهما أو صدقا لا يتعرّضون لبدايتها، ولا يذكرون السبب الذي رفع من راتبها وأظهر من آيتها، ولا علّة الوقوف عند غايتها، فيبقى الناظر متطلّعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادئ الدول ومراتبها، مفتّشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها باحثا عن المقنع في تباينها أو تناسبها» «2» . وهو في مذهبه هذا يسمّي هذا الاتجاه «الجهل بطبائع الأحوال في العمران» . فالواقعات من العمران لها طبعها وحالها، أي علّتها وأسبابها. إن ذلك يجعل الوقائع المفردة تنتمي إلى صنف له سبب بمثل ما هي لها مصدر بمثابة العلّة.
3 -رسم ابن خلدون حركة التاريخ والمجتمعات ضمن المحدّدات العربية والإسلامية. لقد رأى أن الحكم السياسي والدولة لهما عمر محدّد مثل الأشخاص. وكان نهجه يدور حول ثلاثة أجيال: تارة يتحدّث عن خمسة أطوار في عمر الدولة، ولعلّ الثلاثة أجيال اختصّت بالإنسان الذي ينهض بالحكم السياسي، أما الخمسة فاختصّت بحركة الدولة في نقلاتها كمؤسّسة «3» ؛ وطورا عن نقلات أربعة في التاريخ «4» ، يستمدّها من تاريخ منطقته وعالمه آنذاك، أي إن المكان والزمان لعبا دورهما في تحديداته إضافة
(1) المقدمة، 1/ 282.
(2) المرجع السابق، 1/ 285.
(3) لمزيد من المعلومات عن الأجيال والأطوار عند ابن خلدون، انظر المقدمة 2/ 545 - 556.
(4) المقدمة، 1/ 320 - 321.