إلى مقولة مضمرة، لما للرباعية من شأن في نهجه الإسلامي. والرباعية والثلاثية تضرب وترها في داخل الوصف المعرفي لطبيعة العمران وما ينشأ عنه، فتحدّد مجال السلوك الاجتماعي للإنسان المسمّى «الاجتماع الإنساني» . مثال ذلك: «ما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحّش والتأنّس والعصبيات وأصناف التغلّبات للبشر» «1» ، ثم إن ما ينشأ في ذلك يتحدّد بثلاثة ويتمثّل ب «الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع. فالملك يقابل: المحدّد السياسي.
والكسب والمعاش: المحدّد الاقتصادي. والعلوم والصنائع: المحدّد الثقافي. والثلاثية بيّنة في درجات المعاش من الضروري الطبيعي إلى الحاجي فالكمالي.
إن فضاء تعابير ابن خلدون مستمدّ من مجتمعه العربي والإسلامي، وإن تقسيماته المرتكزة على الثلاثية والرباعية في مسار التاريخ وحال العمران ومحدّداته قبليات غير مفكّر بها في ذهنه، لكنها من قبليات معرفياته. فالرباعية بدورها هي الأصول الأربعة التي اعتنقها وذكرها في معرض علوم الدين في القسم الأخير من المقدّمة، وهي التي تبنّاها أهل السنّة والجماعة: القرآن والسنّة والإجماع والقياس أو ما شابهه. فهذه الرباعية على جهة المنهج قوالب قبلية تنسكب على الوقائع المعيّنة القائمة وعلى الخبر المشاهد المعاين فتصنّف أربعة تلقائيّا وأحيانا ثلاثة. ولا سيّما أن الثلاثة ترمز إلى جهات البرهان في الأكبر والأوسط والأصغر، في الأصل والفرع وما يجمعهما من علّة الأصول. إن هذه القبليات الأولية معرفيات غير مفكّر بها مستمدّة من واقع ابن خلدون الإسلامي والعربي. علما أنّ الثلاثية قد هضمت في البرهان العربي منذ الفارابي. وإليك الرسم التالي للبيان الآنف الذكر:
-الأبعاد الثلاثة- أكبر، أوسط، أصغر- الحكام، الطبقة الوسطى، العامة- السياسة، العلم، الكسب- البداوة، الحضارة، الترف- الطبيعي، الحاجي، الكمالي.
(1) المرجع السابق، 1/ 328.