أيضا عن منازع الملك ومذاهبه، فإذا كانت الدولة في أوّل أمرها بدويّة كان صاحبها على حال الغضاضة والبداوة والقرب من الناس وسهولة الإذن. فإذا رسخ عزّه وصار إلى الانفراد بالمجد، واحتاج إلى الانفراد بنفسه عن الناس للحديث مع أوليائه في خواص شئونه، لما يكثر حينئذ من بحاشيته، فيطلب الانفراد عن العامّة ما استطاع، ويتّخذ الإذن ببابه على من لا يأمنه من أوليائه وأهل دولته، ويتّخذ حاجبا عن الناس يقيمه ببابه لهذه الوظيفة. ثم إذا استفحل الملك وجاءت مذاهبه ومنازعه استحالت خلق صاحب الدولة إلى خلق الملك، وهي خلق غريبة مخصوصة، يحتاج مباشرها إلى مداراتها ومعاملتها بما يجب لها، وربما جهل تلك الخلق منهم بعض من يباشرهم فوقع فيما لا يرضيهم، فسخطوه وصاروا إلى حالة الانتقام منه.
فانفرد بمعرفة هذه الآداب الخواص من أوليائهم، وحجبوا غير أولئك الخاصّة عن لقائهم في كل وقت، حفظا على أنفسهم من معاينة ما يسخطهم، وعلى الناس من التعرّض لعقابهم. فصار لهم حجاب آخر أخصّ من الحجاب الأول، يفضي إليهم منه خواصّهم من الأولياء ويحجب دونه من سواهم من العامّة، والحجاب الثاني يفضي إلى مجالس الأولياء، ويحجب دونه من سواهم من العامة. والحجاب الأول يكون في أوّل الدولة كما ذكرنا، كما حدث لأيّام معاوية وعبد الملك وخلفاء بني أمية، وكان القائم على ذلك الحجاب يسمّى عندهم الحاجب جريا على مذهب الاشتقاق الصحيح. ثم لما جاءت دولة بني العباس وجدت الدولة من الترف والعز ما هو معروف، وكملت خلق الملك على ما يجب فيها، فدعا ذلك إلى الحجاب الثاني، وصار اسم الحاجب أخصّ به، وصار بباب الخلفاء داران للعباسية: دار الخاصة؛ ودار العامة، كما هو مسطور في أخبارهم. ثم حدث في الدول حجاب ثالث أخصّ من الأولين، وهو عند محاولة الحجر على صاحب الدولة وذلك أنّ أهل الدولة وخواص الملك إذا نصبوا الأبناء من الأعقاب، وحاولوا الاستبداد عليهم، فأوّل ما يبدأ به ذلك المستبد أن يحجب عنه بطانة أبيه وخواص أوليائه، يوهمه أنّ في مباشرتهم إيّاه خرق حجاب الهيبة، وفساد قانون الأدب، ليقطع بذلك لقاء الغير، ويعوده ملابسة أخلاقه هو، حتى لا يتبدّل به سواه، إلى أن يستحكم الاستيلاء عليه، فيكون هذا الحجاب من دواعيه.
وهذا الحجاب لا يقع في الغالب إلّا أواخر الدولة ... ويكون دليلا على هرم الدولة ونفاد قوّتها. وهو مما يخشاه أهل الدول على أنفسهم؛ لأنّ القائمين بالدولة يحاولون ذلك بطباعهم عند هرم الدولة وذهاب الاستبداد من أعقاب ملوكهم، لما ركّب في النفوس من محبة الاستبداد بالملك وخصوصا مع الترشيح لذلك وحصول دواعيه ومباديه. (مقد 2، 749، 1)