فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 1207

بالنسب إنما هو ملصق لزيق؛ وغاية التعصّب له بالولاء والحلف؛ وذلك لا يوجب له غلبا عليهم البتّة. وإذا فرضنا أنه قد التحم بهم واختلط وتنوسي عهده الأول من الالتصاق، ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم، فكيف له الرئاسة قبل هذا الالتحام أو لأحد من سلفه. والرئاسة على القوم إنما تكون متناقلة في منبت واحد تعيّن له الغلب بالعصبية. فالأولية التي كانت لهذا الملصق قد عرف فيها التصاقه من غير شك ومنعه ذلك الالتصاق من الرئاسة حينئذ؛ فكيف تنوقلت عنه، وهو على حال الإلصاق؛ والرئاسة لا بدّ وأن تكون موروثة عن مستحقّها لما قلناه من التغلّب بالعصبية. وقد يتشرّف كثير من الرؤساء على القبائل والعصائب إلى أنساب يلهجون بها، إما لخصوصيّة فضيلة كانت في أهل ذلك النسب من شجاعة أو كرم، أو ذكر كيف اتّفق؛ فينزعون إلى ذلك النسب، ويتورّطون بالدعوى في شعوبه؛ ولا يعلمون ما يوقعون فيه أنفسهم من القدح في رياستهم والطعن في شرفهم.

(مقد 2، 489، 8)

-إن عمران البادية ناقص عن الحواضر والأمصار؛ لأنّ الأمور الضروريّة في العمران ليس كلّها موجودة لأهل البدو؛ وإنّما توجد لديهم في مواطنهم أمور الفلح، وموادها معدومة ومعظمها الصنائع، فلا توجد لديهم بالكلّية، من نجّار وخيّاط وحدّاد وأمثال ذلك مما يقيم لهم ضروريّات معاشهم في المفلح وغيره.

وكذا الدنانير والدراهم مفقودة لديهم؛ وإنّما بأيديهم أعواضها من مغلّ الزراعة وأعيان الحيوان أو فضلاته ألبانا وأوبارا وأشعارا وإهابا مما يحتاج إليه أهل الأمصار، فيعوضونهم عنه بالدنانير والدراهم إلّا أنّ حاجتهم إلى الأمصار في الضروريّ وحاجة أهل الأمصار إليهم في الحاجيّ الكماليّ. فهم محتاجون إلى الأمصار بطبيعة وجودهم. فما داموا في البادية ولم يحصل لهم ملك ولا استيلاء على الأمصار فهم محتاجون إلى أهلها ويتصرّفون في مصالحهم وطاعتهم متى دعوهم إلى ذلك، وطالبوهم به. وإن كان في المصر ملك كان خضوعهم وطاعتهم لغلب الملك. وإن لم يكن في المصر ملك فلا بدّ فيه من رئاسة ونوع استبداد من بعض أهله على الباقين وإلا انتقض عمرانه. وذلك الرئيس يحملهم على طاعته والسعي في مصالحه: إمّا طوعا ببذل المال لهم، ثم يبذل لهم ما يحتاجون إليه من الضروريّات في مصره فيستقيم عمرانهم؛ وإما كرها إن تمّت قدرته على ذلك ولو بالتفريق بينهم، حتى يحصل له جانب منهم يغالب به الباقين، فيضطرّ الباقون إلى طاعته بما يتوقعون لذلك من فساد عمرانهم. وربما لا يسعهم مفارقة تلك النواحي إلى جهات أخرى، لأنّ كل الجهات معمور بالبدو الذين غلبوا عليها ومنعوها من غيرهم، فلا يجد هؤلاء ملجئا إلا طاعة المصر. فهم بالضرورة مغلوبون لأهل الأمصار. (مقد 2، 519، 15)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت