(مقد 1، 283، 15)
-حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحّش والتأنّس والعصبيات وأصناف التغلّبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. (مقد 1، 328، 5)
-كأن هذا (العمران) علم مستقلّ بنفسه: فإنّه ذو موضوع وهو العمران البشريّ والاجتماع الإنسانيّ: وذو مسائل، وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى. وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيّا كان أو عقليّا.
(مقد 1، 331، 15)
-العمران وهو التساكن والتنازل في مصر أو حلّة للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات، لما في طباعهم من التعاون على المعاش.
ومن هذا العمران ما يكون بدويّا، وهو الذي يكون في الضواحي وفي الجبال وفي الحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرمال. ومنه ما يكون حضريّا وهو الذي بالأمصار والقرى والمدن والمدائر للاعتصام بها والتحصّن بجدرانها. وله في كل هذه الأحوال أمور تعرض من حيث الاجتماع عروضا ذاتيا له. (مقد 1، 335، 10)
-إنّ الاجتماع الإنساني ضروري. ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم «الإنسان مدني بالطبع» أي لا بدّ له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو معنى العمران. (مقد 1، 337، 6)
-إنّ اللّه سبحانه خلق الإنسان وركّبه على صورة لا يصحّ حياتها وبقاؤها إلّا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته، وبما ركّب فيه من القدرة على تحصيله، إلّا أنّ قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء، غير موفية له بمأدبة حياته منه، ولو فرضنا منه أقلّ ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا، فلا يحصل إلّا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ. وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتمّ إلّا بصناعات متعدّدة من حدّاد ونجّار وفاخوريّ. هب أنّه يأكله حبّا من غير علاج؛ فهو أيضا يحتاج في تحصيله إلى أعمال أخرى أكثر من هذه، من الزراعة والحصاد والدّراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل. ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلات متعدّدة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير. ويستحيل أن توفي بذلك كلّه أو ببعضه قدرة الواحد.
فلا بدّ من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم؛ فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف. وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه ... فإذن هذا الاجتماع ضروريّ للنوع الإنساني؛ وإلّا لم