فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 1207

غيرها مثل النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، إلا أنّ العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر. وإن كان من غير الصنائع فلا بدّ في قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به، إذ لو لا العمل لم تحصل قنيتها. وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل له حصّة من القيمة عظمت أو صغرت. وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين الناس، فإن اعتبار الأعمال والنفقات فيها ملاحظ في أسعار الحبوب كما قدّمناه؛ لكنه خفيّ في الأقطار التي علاج الفلح فيها ومئونته يسيرة، فلا يشعر به إلّا القليل من أهل الفلح. فقد تبيّن أنّ المفادات والمكتسبات كلّها أو أكثرها إنّما هي قيم الأعمال الإنسانيّة، وتبين مسمّى الرزق وأنّه المنتفع به. فقد بان معنى الكسب والرزق وشرح مسمّاهما. (مقد 2، 908، 11)

-اعلم أنّه إذا فقدت الأعمال أو قلّت بانتقاص العمران تأذّن اللّه برفع الكسب.

ألا ترى إلى الأمصار القليلة الساكن كيف يقلّ الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلّة الأعمال الإنسانيّة. وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع أحوالا وأشدّ رفاهية ... ومن هذا الباب تقول العامة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنّها قد ذهب رزقها. حتى إن الأنهار العيون وينقطع جريها في القفر؛ لما أنّ فور العيون إنّما يكون بالإنباط والامتراء الذي هو بالعمل الإنساني، كالحال في ضروع الأنعام. فما لم يكن إنباط ولا امتراء نضبت وغارت بالجملة، كما يجفّ الضّرع إذا ترك امتراؤه. وانظره في البلاد التي تعهد فيها العيون لأيّام عمرانها ثم يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنّها لم تكن. (مقد 2، 910، 4)

-إنّ الإنسان لا يسمح بعمله أن يقع مجّانا لأنّه كسبه ومنه معاشه، إذ لا فائدة له في جميع عمره في شي ء ممّا سواه؛ فلا يصرفه إلّا فيما له قيمة في مصره ليعود عليه بالنفع. وإن كانت الصناعة مطلوبة وتوجّه إليها النّفاق كانت حينئذ الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب للبيع، فتجتهد الناس في المدينة لتعلّم تلك الصناعة ليكون منها معاشهم، وإذا لم تكن الصناعة مطلوبة لم تنفق سوقها، ولا يوجّه قصد إلى تعلّمها، فاختصّت بالترك وفقدت للإهمال. ولهذا يقال عن علي رضي اللّه عنه: «قيمة كل امرئ ما يحسن» ، بمعنى أنّ صناعته هي قيمته أي قيمة عمله الذي هو معاشه. وأيضا فهنا سر آخر وهو أن الصنائع وإجادتها إنّما تطلبها الدولة، فهي التي تنفق سوقها وتوجّه الطلبات إليها، وما لم تطلبه الدولة وإنّما يطلبها غيرها من أهل المصر فليس على نسبتها؛ لأنّ الدولة هي السوق الأعظم. وفيها نفاق كل شي ء، والقليل والكثير فيها على نسبة واحدة، فما نفق منها كان أكثريّا ضرورة. والسوقة وإن طلبوا الصناعة فليس طلبهم بعام، ولا سوقهم بنافقة. (مقد 2، 940، 4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت