فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 1207

منه، لا بدّ من ذلك. وكل متّخذ لقوته تفضل عنه وعن أهل بيته فضلة كبيرة تسدّ خلّة كثيرين من أهل ذلك المصر، فتفضل الأقوات عن أهل المصر من غير شك، فترخص أسعارها في الغالب، إلّا ما يصيبها في بعض السنين من الآفات السماوية. ولو لا احتكار الناس لها لما يتوقّع من تلك الآفات لبذلت دون ثمن ولا عوض لكثرتها بكثرة العمران. وأمّا سائر المرافق من الأدم والفواكه وما إليها، فإنّها لا تعمّ بها البلوى ولا يستغرق اتّخاذها أعمال أهل المصر أجمعين، ولا الكثير منهم. ثم إنّ المصر إذا كان مستبحرا موفور العمران كثير حاجات الترف توفّرت حينئذ الدواعي على طلب تلك المرافق والاستكثار منها، كلّ بحسب حاله، فيقصر الموجود منها عن الحاجات قصورا بالغا، ويكثر المستامون لها وهي قليلة في نفسها، فتزدحم أهل الأغراض، ويبذل أهل الرّفه والترف أثمانها بإسراف في الغلاء، لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم، فيقع فيها الغلاء كما تراه. (مقد 2، 876، 12)

-أمّا الصنائع والأعمال في الأمصار الموفورة العمران فسبب الغلاء فيها أمور ثلاثة: الأول كثرة الحاجة لمكان الترف في المصر بكثرة عمرانه؛ والثاني اعتزاز أهل الأعمال بخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتها؛ والثالث كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم وإلى استعمال الصنّاع في مهنهم، فيبذلون في ذلك لأهل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها، فيعتز العمّال والصنّاع وأهل الحرف وتغلو أعمالهم، وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك. (مقد 2، 876، 14)

-الحضارة تتفاوت بتفاوت العمران، فمتى كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل، وقد كنّا قدمنا (ابن خلدون) أنّ المصر الكثير العمران يختصّ بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته، ثمّ تزيدها المكوس غلاء لأنّ الحضارة إنّما تكون عند انتهاء الدولة في استفحالها وهو زمن وضع المكوس في الدولة لكثرة خرجها حينئذ كما تقدّم؛ والمكوس تعود على البيّاعات بالغلاء؛ لأنّ السوقة والتجّار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه حتى في مئونة أنفسهم. فيكون المكس لذلك داخلا في قيم المبيعات وأثمانها؛ فتعظم نفقات أهل الحضارة ويخرج عن القصد إلى الإسراف، ولا يجدون وليجة عن ذلك، لما ملكهم من أثر العوائد وطاعتها، وتذهب مكاسبهم كلّها في النفقات ويتتابعون في الإملاق والخصاصة ويغلب عليهم الفقر، ويقلّ المستامون للمبايع، فتكسد الأسواق ويفسد حال المدينة.

وداعية ذلك كله إفراط الحضارة والترف؛ وهذه مفسدات في المدينة على العموم في الأسواق والعمران. (مقد 2، 889، 2)

-التاجر البصير بالتجارة لا ينقل من السلع إلّا ما تعمّ الحاجة إليه من الغني والفقير والسلطان والسوقة، إذ في ذلك نفاق سلعته. وأمّا إذا اختصّ نقله بما يحتاج إليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت