38). فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية؛ وإذا كانت مفروضة من اللّه بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينيّة نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وذلك أنّ الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنّها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء ... فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة؛ حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنسانيّ، فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطا بنظر الشارع.
(مقد 2، 576، 13)
-إنّ حقيقة الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا، فصاحب الشرع متصرّف في الأمرين: أمّا في الدين فبمقتضى التكاليف الشرعيّة التي هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها؛ وأمّا سياسة الدنيا فبمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشرى. وقد قدّمنا (ابن خلدون) أنّ هذا العمران ضروري للبشر وأنّ رعاية مصالحه كذلك لئلا يفسد إن أهملت؛ وقدّمنا أنّ الملك وسطوته كاف في حصول هذه المصالح. نعم إنما تكون أكمل إذا كانت بالأحكام الشرعية لأنّه أعلم بهذه المصالح. فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميّا ويكون من توابعها. وقد ينفرد إذا كان في غير الملّة.
وله على كل حال مراتب خادمة ووظائف تابعة تتعيّن خططا، وتتوزّع على رجال الدولة وظائف، فيقوم كل واحد بوظيفته حسبما يعيّنه الملك الذي تكون يده عالية عليهم، فيتمّ بذلك أمره، ويحسن قيامه بسلطانه. وأمّا المنصب الخلافي وإن كان الملك يندرج تحته بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرّفه الديني يختصّ بخطط ومراتب لا تعرف إلّا للخلفاء الإسلاميين.
(مقد 2، 625، 2)
-لأنّ الملك لا بدّ له من الجند والمال والمخاطبة لمن غاب عنه، فاحتاج صاحب الملك إلى الأعوان في أمر السيف وأمر القلم وأمر المال فينفرد صاحبها لذلك بجزء من رئاسة الملك، وكذلك كان الأمر في دولة بني أميّة بالأندلس والطوائف بعدهم. (مقد 2، 678، 3)
-مبنى الملك على أساسين لا بدّ منهما.
فالأول الشوكة والعصبية وهو المعبّر عنه بالجند؛ والثاني المال الذي هو قوام أولئك الجند وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال. (مقد 2، 755، 11)
-إنّ الملك يدعو إلى نزول الأمصار، وذلك أنّ القبائل والعصائب إذا حصل لهم الملك اضطرّوا للاستيلاء على الأمصار لأمرين:
أحدهما ما يدعو إليه الملك من الدعة والراحة وحط الأثقال واستكمال ما كان ناقصا من أمور العمران في البدو؛ والثاني دفع ما يتوقّع على الملك من أمر النازعين والمشاغبين، لأنّ المصر الذي يكون في نواحيهم ربما يكون ملجأ لمن يروم منازعتهم والخروج عليهم وانتزاع ذلك الملك الذي سمّوا إليه من أيديهم، فيعتصم بذلك المصر ويغالبهم، ومغالبة