والتشرذم فعلت فعلها في تدمير الزراعة فتركت معظم الأراضي خوفا من الغزاة، وشلّت التجارة بانقطاع الطرق وتداول السلاطين واختلاف الحكم.
ومن أوصاف التدمير الاقتصادي أن التتر «كانوا يجمعون الحرير الكثير الذي يعجزون عن حمله فيطلقون فيه النار وهم ينظرون إليه، ويخرّبون المنازل وما عجزوا عن تخريبه يحرقونه» «1» .
وقد فرض الحكّام المغول وعمّالهم من الفرس الخراج والضرائب وفقا لأهوائهم، وأهمل مسح الأراضي، وظلّت العديد من القرى والدساكر خاوية خالية، واعتمد السلاطين الإيلخانية الأوراق المالية ذات القيمة التحكمية الرجراجة المحدثة على الطريقة الصينية، وأعقدوا العرف المغولي الساذج عوض الشرع الإسلامي.
لكن هذه الفوضى لم تكن مستمرّة متّصلة، فقد تخلّلتها فسحات أمل واستقرار كما جرى على عهد السلطان غازان بن أرغون حفيد هولاكو، الذي استقلّ بفارس عن الخان الأكبر المقيم في بكين، واعتنق المذهب السنّي وشجّع التطوّر الاقتصادي فمسح الأراضي من جديد واتّخذ ذلك أساسا ثابتا في فرض الضريبة، وعلّق البيانات الوافية في شرح الضرائب في دور العبادة والأماكن العامة، بل وعلى أنصاب خشبية وحجرية في البوادي. وشجّع غازان كذلك السّكن في المناطق المخرّبة وأسقط الضرائب عن الساكنين الجدد وصكّ نقودا معدنية صحيحة الوزن والقيمة مكان العملة الورقية وأعاد للشرع الإسلامي قوّته وسلطانه «2» .
وبالإضافة إلى تردّي الظروف الاقتصادية لجهة مصادر الإنتاج وبنيته التحتية، فإن الفكر الاقتصادي نفسه تضرّر «ذلك بأن كبار المثريين السوريين والمصريين كانوا يقفون ممتلكاتهم الضخمة على وجوه البرّ وخدمة العلم صيانة لها من المصادرة، فتدرّ على الأقل دخلا ما للواقف وذريّته، ...
ولكنها كانت تصيد طبقة غير يسيرة من الأمة عن طلب الرزق، وتقود إلى حياة
(1) البداية والنهاية، 13/ 88.
(2) بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 392.