بالفعل من جميع الجهات كالعقول على رأيهم أو بالفعل في بعضها وبالقوة في بعضها. والقسم الأول يستحى عليه الحركة لأنها طلب لشي ء وتوجّه إليه وذلك غير متصوّر فيه، لأن جميع ما يمكن أن يكون له فهو حاصل بالفعل فلا طلب فلا حركة بل لا تغيّر فيه ولا انتقال من حال إلى حال أصلا، بخلاف القسم الثاني إذ يتصوّر فيه الحركة والانتقال الدفعي أيضا.
وإذا عرفت هذا فنقول المتحرّك أي الموصوف بالحركة له حركة بالفعل حال اتّصافه بها وهو أي الحركة أمر حصل له بعد أن لم يكن حاصلا له عند استقراره في مكانه أو على حاله، فهو أي ذلك الأمر الحاصل بعد ما لم يكن كمال له أي للمتحرّك، إذ معنى الكمال ذلك هذا إشارة إلى المطلق المذكور في ضمن المقيّد، أي معنى الكمال هو الحاصل بالفعل سواء كان مسبوقا بالقوة كما في حركات الحيوانات أو غير مسبوق بها كما في الكمالات الدائمة الحصول والحركات الأزلية على رأي الفلاسفة. (مو 6، 189، 6)
-إن الجسم إذا كان في مكان مثلا وأمكن حصوله في مكان آخر فله هناك إمكانان إمكان الحصول في المكان الثاني وإمكان التوجّه إليه، وكل ما هو ممكن الحصول له فإنه إذا حصل كان كمالا له، فكل من التوجّه إلى المكان الثاني والحصول فيه كمال إلّا أن التوجّه متقدّم على الحصول لا محالة فوجب أن يكون الحصول بالقوة ما دام التوجّه بالفعل. فالتوجّه كمال أول للجسم الذي يجب أن يكون بالقوة في كماله الثاني الذي هو الحصول، ثم إن التوجّه ما دام موجودا فقد بقي منه شي ء بالقوة، فالحركة تفارق سائر الكمالات بخاصيتين إحداهما أنها من حيث أن حقيقتها هي التأدّي إلى الغير والسلوك إليه تستلزم أن يكون هناك مطلوب ممكن الحصول غير حاصل معها بالفعل ليكون التأدّي تأدّيا إليه، وليس شي ء من سائر الكمالات بهذه الصفة، وثانيتهما أنها تقتضي أن يكون شي ء منها بالقوة فإن المتحرّك إنما يكون متحرّكا إذا لم يصل إلى المقصد، فإنه إذا وصل إليه فقد انقطعت حركته وما دام لم يصل فقد بقي من الحركة شي ء بالقوة. فهوية الحركة مستلزمة لأن يكون محلّها حال اتّصافه بها مشتملا على قوّتين قوة بالقياس إليها وأخرى بالقياس إلى ما هو المقصود بها.
أما القوة التي بالنسبة إلى المقصود فمشتركة بلا تفاوت بين الحركة بمعنى القطع والحركة بمعنى التوسّط، فإن الجسم ما دام في المسافة لم يكن واصلا إلى المنتهى، وإذا وصل إليه لم يبق حركة أصلا، وأما القوة الأخرى ففيها تفاوت بينهما، فإن الحركة بمعنى القطع حال اتّصاف المتحرّك بها يكون بعض أجزائها بالقوة وبعضها بالفعل، فالقوة والفعل في ذات شي ء واحد. والحركة بمعنى التوسّط إذا حصلت كانت بالفعل ولم يكن هناك قوة متعلّقة بذاتها بل بنسبتها إلى حدود