ومن حيث قيامها بمحلّها كانت محمودا عليها، فهما متغايران هاهنا بالاعتبار، ولهذا يقال وصفته بالشجاعة لأجل كونه شجاعا ومنهم من منع صحة المدح بما ليس اختياريّا وجعل مثال اللؤلؤ مصنوعا لا عبرة به. (نور، 9، 22)
-قال بعض المحقّقين من الصوفية: حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية، وذلك قد يكون بالقول ... وقد يكون بالفعل، وهذا أقوى لأن الأفعال التي هي آثار السخاوة تدلّ عليها دلالة علية قطعية لا يتصوّر فيها تخلّف، بخلاف الأقوال فإن دلالتها عليها وضعية قد يتخلّف عنها مدلولها ومن هذا القبيل حمد اللّه تعالى وثناؤه على ذاته وذلك أنه تعالى حين بسط بساط الوجود على ممكنات لا تحصى ووضع عليه موائد كرمه التي لا تتناهى، فقد كشف عن صفات كماله وأظهرها بدلالات قطعية تفصيلية غير متناهية، فإن كل ذرّة من ذرّات الوجود تدلّ عليها، ولا يتصوّر في العبارات مثل هذه الدلالات. (نور، 10، 12)
-الحمد هو المدح والوصف بالجميل، وأنه جعل هاهنا نقيض المدح: أعني الذمّ نقيضا للحمد. لا يقال: نقيض المدح هو الهجو لا الذمّ. لأنا نقول المدح يطلق على الثناء الخاص: أي الوصف بالجميل، ويقابله الذمّ وقد يخصّ بعدّ المآثر ويقابله حينئذ الهجو: أي عدّ المثالب والكلام في المعنى الأول. وقيل أراد (الزمخشري) أنهما أخوان في الاشتقاق الكبير ويشهد له وجهان: الأول أن الشائع في كتب المصنّف استعمال الأخوة فيما بين لفظتين يتلاقيان في الاشتقاق الكبير أو الأكبر، أما الكبير فبأن يشتركان في الحروف الأصول من غير ترتيب مع اتّحاد في المعنى أو تناسب فيه كالجذب والجبذ وكالحمد والمدح، وأما الأكبر فبأن يشتركا في أكثر تلك الحروف فقط ويتناسبا في الباقي مع الاتحاد أو التناسب في المعنى كأله ودله وكالفلق والفلج. الثاني أن الحمد مخصوص بالجميل الاختياري والمدح يعمّه وغيره. يقال مدحت اللؤلؤة على صفائها، ولا يقال حمدتها، فاختير هاهنا الحمد على المدح ليشعر بالاختيار؛ وعلى الشكر ليتناول الفضائل والفواضل.
وردّ الأول بأن ما ذكرناه من الدليلين أوجب حمل الأخوة هاهنا على الترادف والثاني بأن المصنّف صرّح في تفسير قوله تعالى- وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ (الحجرات: 7) - بأن المدح لا يكون بفعل الغير، وتأول المدح بالجمال وحسن الوجه، فالمدح عنده أيضا مخصوص بالاختياري، وإنما ترك قيد الاختياري في تفسير معنى الحمد وإما اعتمادا على الأمثلة فإنها اختيارية، وإما أنه أراد بالجميل الفعل الجميل وهو بالاختيار، فقوله من نعمة: أي إنعاما بنعمة. واعلم أن الحمد إذا خصّ بالأفعال الاختيارية يلزم أن لا يحمد اللّه تعالى على صفاته الذاتية كالعلم والقدرة والإرادة سواء جعلت عين ذاته أو زائدة عليها بل على