-الدليل من حيث هو دليل لا يعتبر فيه التوصّل بالفعل بل يكفي إمكانه، فلا يخرج عن كونه دليلا بأن لا ينظر فيه أصلا ولو اعتبر وجوده لخرج عن التعريف ما لم ينظر فيه أحد أبدا، وأريد من النظر فيه ما يتناول النظر فيه نفسه وفي صفاته وأحواله فيشمل المقدّمات التي هي بحيث إذا رتّبت أدّت إلى المطلوب الخبري والمفرد الذي من شأنه إذا نظر في أحواله أوصل إليه كالعالم. وحيث أريد بالإمكان المعنى العام الجامع للفعل والوجوب اندرج في الحدّ المقدّمات المرتّبة وحدها، وأما إذا أخذت مع الترتيب فيستحيل النظر فيها.
وقيد النظر بالصحيح وهو المشتمل على شرائطه مادة وصورة لأن الفاسد لا يمكن أن يتوصّل به إلى مطلوب خبري إذ ليس هو في نفسه سببا للتوصّل ولا آلة له وإن كان قد يفضي إليه، فذلك إفضاء اتّفاقي ليس من حيث إنه وسيلة له. فلو لم يقيّد وأريد العموم خرجت الدلائل بأسرها إذ لا يمكن التوصّل بكل نظر فيها. وإن اقتصر على الإطلاق لم يكن هناك تنبيه على افتراق الصحيح والفاسد في ذلك، والحكم بكون الإفضاء في الفاسد اتفاقيّا إنما يصحّ إذا لم يكن بين الكواذب ارتباط عقلي يصير به بعضها وسيلة إلى بعض أو يخصّ بفاسد الصورة أو بوضع ما ليس بدليل مكانه. (مخ، 41، 8)
-الدليل عندنا (الجرجاني) لا يطلق إلّا على المفردات التي من شأنها أن يتوصّل بأحوالها إلى المطالب الخبرية فيجب أن يحمل قولنا بصحيح النظر فيه على النظر في أحواله وصفاته. ويجوز أن يجري على عمومه فيتناول الأقسام الثلاثة ... وعلى التقديرين، فالمعنيان متباينان صدقا ومن زعم تساويهما في الوجود بشرط النظر في المعنى الأصولي لزمه القول بوجوده في الكواذب. (مخ، 43، 15)
-وجوب المقدّمتين على الاصطلاح المنطقي ظاهر على تعريفهم، وأما على الاصطلاح الأصولي فإنما يجبان فيه من حيث يتعلّق به النظر، والسبب في ذلك أنه لا بدّ في الدليل من حيث يتوصّل به إلى المطلوب أعني المحكوم به من مستلزم له وإلّا لم ينتقل الذهن منه إليه، ولا بدّ أيضا من ثبوت المستلزم للمحكوم عليه ليلزم من ثبوته له ثبوت لازمه له، فيكون الحاصل منه خبريّا. ولوجوب المستلزم الموصوف بالحصول وجبت في الدليل المقدّمتان لتنبئ إحداهما عن اللزوم وهي الكبرى، وقدمت لأنها العمدة في الإنتاج المشتملة على النتيجة بالقوّة، والأخرى عن ثبوت الملزوم للمحكوم عليه وهي الصغرى. فإن قلت الاستلزام إنما يكون في القطعيات دون الظنّيات على ما سبق قلت إن أريد التعميم كما هو الظاهر حمل الاستلزام هنا على المناسبة المصحّحة للانتقال لا على امتناع الانفكاك. (مخ، 44، 9)
-الدليل قد يقوم على المطلوب ابتداء بأن ينساق النظر فيه إلى ما هو المطلوب بعينه كما في بعض القياس المستقيم، وقد يقوم على إبطال نقيضه ويلزم منه صدقه قطعا،