من محل الحقيقة إلى محلّ المجاز، قوله لمناسبة بينهما احترز به عمّا استعمل في غير ما وضع له لا لمناسبة فإن ذلك لا يسمّى مجازا بل كان مرتجلا أو خطأ، والمجاز إما مرسل أو استعارة، لأن العلاقة المصحّحة له إما أن تكون مشابهة المنقول إليه بالمنقول عنه في شي ء، وإما أن تكون غيرها، فإن كان الأول يسمّى المجاز استعارة كلفظ الأسد إذا استعمل في الشجاع، وإن كان الثاني فيسمّى مرسلا كلفظ اليد إذا استعمل في النعمة كما يقال جلت أياديه عندي: أي كثرت نعمه لدي، واليد في اللغة العضو المخصوص، والعلاقة كون ذلك العضو مصدرا للنعمة فإنها تصل إلى المنعم عليه من اليد، والفرق بين المعنيين أن الاستعارة في الأول اسم للفظ المنقول، وفي الثاني للنقل، وعلى الثاني يسمّى المشبّه به وهو الحيوان المفترس مستعارا منه، والمشبّه وهو الشجاع مستعارا له، واللفظ وهو لفظ الأسد مستعارا، والمتلفّظ وهو المستعمل للفظ الأسد في الشجاع مستعيرا، ووجه الشبه وهو الشجاعة ما به الاستعارة، ولا تصحّ هذه الاشتقاقات في الاستعارة بالمعنى الأول وهو ظاهر. المجاز: ما جاوز وتعدّى عن محلّه الموضوع له إلى غيره لمناسبة بينهما، إما من حيث الصورة أو من حيث المعنى اللازم المشهور، أو من حيث القرب والمجاورة كاسم الأسد للرجل الشجاع وكألفاظ يكنّى بها الحديث. (تع، 178، 17)
-اللفظ إذا لم يكن حقيقة للمتعدّد كان للبعض حقيقة وللبعض مجازا مبني على أن المجاز يستلزم الحقيقة، إذ لو لا الاستلزام لجاز كون اللفظ لهما أي للمعنيين مجازين. (مخ، 127، 7)
-ألف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظا في مسمّاه أطلقوا إطلاقا وإذا استعملوه بإزاء غيره قرنوا به قرينة، لأن الغرض من وضع اللفظ للمعنى أن يكتفي به في الدلالة عليه، والأصل أن يكون ذلك في الحقيقة دون المجاز لكونها أغلب في الاستعمال، هكذا في الأحكام. فإذا وجدناهم لا يستعملون اللفظ في معنى إلّا مقيّدا بقيد هو قرينة دالّة عليه علمنا أنه مجاز فيه نحو نار الحرب وجناح الذل، فإن لفظي النار والجناح لا يستعملان فيما أريدا به هاهنا إلّا مقيّدين بما أضيفا إليه ولا عكس، إذ قد يستعمل المجاز غير مقيّد اعتمادا على القرائن الحالية أو المقالية غير التقييد، وإنما اعتبر فيه الالتزام احترازا عن المشترك إذ ربما يقيد لكن لا يلتزم فيه ذلك. (مخ، 153، 19)
-الإسناد ليس له جهتان ليكون التركيب حقيقة فيه باعتبار جهة ومجازا باعتبار جهة أخرى، إذ لا يفهم في اللغة من التركيب في هذه الصور إلّا الإسناد بجهة واحدة، والذي يزيل توهّم المجاز في التركيب والإسناد بالكليّة أن يجعل الفعل نحو سرّ مثلا مجازا في التسبّب العادي وحقيقة في التسبّب الحقيقي، فيظهر أن المجاز في المفرد لا في المركّب. (مخ، 154، 31)