فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 1207

الصدقات والخراج والجزية، وهي قليلة الوزائع- (ما يتوزّع على الأشخاص) - لأن مقدار الزكاة من المال قليل ... ،

وكذا زكاة الحبوب والماشية، وكذا الجزية والخراج وجميع المغارم الشرعية، وهي حدود لا تتعدى؛ وإن كانت على سنن التغلّب والعصبية فلا بدّ من البداوة في أولها ... ، والبداوة تقتضي المسامحة والمكارمة وخفض الجناح والتجافي عن أموال الناس، والغفلة عن تحصيل ذلك إلا في النادر، فيقلّ لذلك مقدار الوظيفة الواحدة والوزيعة التي تجمع الأموال من مجموعها. وإذا قلّت الوزائع والوظائف على الرعايا نشطوا للعمل ورغبوا فيه، فيكثر الاعتمار. ويتزايد محصول الاغتباط بقلّة المغرم، وإذا كثر الاعتمار كثرت أعداد تلك الوظائف والوزائع، فكثرت الجباية التي هي جملتها. فإذا استمرّت الدولة واتّصلت، وتعاقب ملوكها واحدا بعد واحد واتّصفوا بالكيس، وذهب شرّ البداوة والسذاجة وخلقها من الإغضاء والتجافي، وجاء الملك العضوض والحضارة الداعية إلى الكيس، وتخلق أهل الدولة حينئذ بخلق التحذلق، وتكثرت عوائدهم وحوائجهم بسبب ما انغسموا فيه من النعيم والترف، فيكثّرون الوظائف والوزائع حينئذ على الرعايا والأكرة والفلاحين وسائر أهل المغارم، ويزيدون في كل وظيفة ووزيعة مقدارا عظيما لتكثر لهم الجباية، ويضعون المكوس على المبايعات وفي الأبواب كما نذكر بعد، ثم تتدرّج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار لتدرّج عوائد الدولة في الترف وكثرة الحاجات والإنفاق بسببه، حتى تثقل المغارم على الرعايا وتنهضم وتصير عادة مفروضة، لأن تلك الزيادة تدرّجت قليلا قليلا ولم يشعر أحد بمن زادها على التعيين، ولا من هو واضعها، إنما تثبت على الرعايا كأنها عادة مفروضة، ثم تزيد إلى الخروج عن حدّ الاعتدال فتذهب غبطة الرعايا في الاعتمار لذهاب الأمل من نفوسهم بقلّة النفع، إذا قابل بين نفعه ومغارمه وبين ثمرته وفائدته، فتنقبض كثير من الأيدي عن الاعتمار جملة، فتنقص جملة الجباية حينئذ بنقصان تلك الوزائع منها. وربما يزيدون في مقدار الوظائف إذا رأوا ذلك النقص في الجباية ويحسبونه جبرا لما نقص، حتى تنتهي كل وظيفة ووزيعة إلى غاية ليس وراءها نفع ولا فائدة، لكثرة الإنفاق حينئذ في الاعتمار وكثرة المغارم وعدم وفاء الفائدة المرجوّة به. فلا تزال الجملة في نقص ومقدار الوزائع والوظائف في زيادة لما يعتقدونه من جبر الجملة بها، إلى أن ينتقض العمران بذهاب الآمال من الاعتمار، ويعود وبال ذلك على الدولة، لأن فائدة الاعتمار عائدة إليها. وإذا فهمت ذلك علمت أن أقوى الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على المعتمرين ما أمكن؛ فبذلك تنبسط النفوس إليه لثقتها بإدراك المنفعة فيه. (مقد 2، 729، 19)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت