الجامع الأزهر. ويصف ابن خلدون شدّة الإقبال عليه فيقول في زهو وتواضع معا: «و لما دخلتها أقمت أياما، وانثال عليّ طلبة العلم بها يلتمسون الإفادة مع قلّة البضاعة، ولم يوسعوني عذرا فجلست للتدريس في الجامع الأزهر» «1» . وكان ملك مصر في هذا العهد السلطان الظاهر برقوق الذي ولي مصر قبل مقدم ابن خلدون بعشرة أيام (أواخر رمضان سنة 784 ه) . وقد عمل ابن خلدون على التقرّب منه والاتّصال به، وكانت أخباره وشهرته قد سبقته إليه، فأكرم وفادته وعنى بأمره، ثم عيّنه في منصب تدريس الفقه المالكي بمدرسة القمحية، وهي «من إنشاء صلاح الدين بن أيوب، وقفها على المالكية يتدارسون بها الفقه، ووقف عليها أراضي من الفيوم تغل القمح، فسمّيت لذلك القمحية» «2» . فشهد مجلسه الأول في ذلك العهد جمهرة من العلماء والأكابر والأمراء أرسلهم السلطان لشهوده، منهم الأمير الطنبغا الجوباني والأمير يونس الدوادار وقضاة المذاهب الأربعة والأعيان «3» . وبعد خمسة أشهر (سنة 786 ه) قلّده السلطان برقوق قضاء المالكية بديار مصر، وفي ذلك يقول ابن خلدون: « ... قاضي المالكية ... هو رابع أربعة بعدد المذاهب، يدعى كل منهم قاضي القضاة تمييزا عن الحكّام بالنيابة عنهم لاتّساع خطّة هذا المعمور وكثرة عوالمه، وما يرتفع من الخصومات في جوانبه، وكبير جماعتهم قاضي الشافعية، لعموم ولايته في الأعمال شرقا وغربا بالصعيد والفيوم، واستقلاله بالنظر في أموال الأيتام والوصايا. وقد يقال بأن مباشرة السلطان قديما بالولاية إنما كانت تكون له» «4» . وقد أفتى ابن خلدون وقضى بشدّة، مما أثار عتب الناس عليه.
-عزل عدّة مرات عن القضاء، وفي بعض فترات عزله ذهب مع العسكر المملوكي لقتال التتر فالتقى تيمورلنك في ضاحية دمشق.
-سافر إلى الشام سنة 803 ه، فوصل غزّة ومنها إلى دمشق وقد غادر
(1) التعريف، ص 248.
(2) المرجع السابق، ص 279.
(3) المرجع السابق، ص 285.
(4) المرجع السابق، ص 253 - 254.