منها الضرائب بدهائه وصرامته «1» .
-نزح إلى تلمسان باستدعاء صاحبها السلطان عبد العزيز، ولكنه ما كاد يصل إلى بلدة مليانة من أعمال المغرب الأوسط في منتصف طريقه حتى بلغته الأنباء بوفاة السلطان عبد العزيز، وتولية ابنه السعيد في كفالة الوزير ابن غازي، وتحوّل البلاط كلّه من تلمسان إلى فاس سنة 774.
كما علم أنا أبا حمّو قد تمكّن من استرداد تلمسان فعوّل ابن خلدون على التحوّل إلى فاس. ولما بلغ ذلك أبا حمو حرّض عليه بعض الأشقياء من بني يغمور، فانقضوا عليه في الصحراء ونهبوا متاعه ومتاع من كان بصحبته، ولم ينج هو منهم إلا بشق الأنفس «2» .
-تفرّغ ابن خلدون أربع سنوات (776 - 780 ه) بقلعة ابن سلامة التي تقع في مقاطعة وهران من بلاد الجزائر للدراسة والتأليف، فأثمر مؤلّفه المشهور «العبر» ، وقدّم له ببحث في شئون العمران وقوانينه، عرف ب «مقدّمة ابن خلدون» ، وفي هذا يقول: «فأقمت بها (قلعة ابن سلامة) أربعة أعوام متخلّيا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب وأنا مقيم بها، وأكملت المقدّمة منه على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها، وتألّفت نتائجها» «3» . وبعد ذلك عاد إلى مسقط رأسه تونس لتهذيب كتابه «العبر» ، حيث قدّمت له مكتباتها الغنية ما يحتاج إليه من مراجع. وظلّ ابن خلدون في تونس عاكفا على البحث والتدريس لطلبة العلم حتى أتمّ مؤلّفه ونقّحه وهذّبه، ورفع نسخته إلى السلطان أبي العباس في أوائل سنة 784 ه، فتقبّلها السلطان بقبول حسن. ثم استأذن ابن خلدون السلطان لقضاء فريضة الحجّ، فأذن له، واجتاز البحر إلى الإسكندرية.
-ثم رحل إلى القاهرة فتلقّاه أهلها وأكرموه وتردّدوا عليه فاستقرّ قرب
(1) المرجع السابق، ص 98.
(2) المقدمة، 1/ 74.
(3) التعريف، ص 229.