-إنّ الدعوة الدينيّة تزيد الدولة في أصلها قوّة على قوة العصبيّة التي كانت لها من عددها. والسبب في ذلك كما قدّمناه أنّ الصبغة الدينيّة تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبيّة وتفرد الوجهة إلى الحق. فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شي ء، لأنّ الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم، وهم مستميتون عليه؛ وأهل الدولة التي هم طالبوها وإن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لتقيّة الموت حاصل؛ فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم، بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذلّ كما قدّمناه.
وهذا كما وقع للعرب صدر الإسلام في الفتوحات. فكانت جيوش المسلمين بالقادسيّة واليرموك بضعا وثلاثين ألفا في كل معسكر؛ وجموع فارس مائة وعشرين ألفا بالقادسيّة، وجموع هرقل على ما قاله الواقديّ أربعمائة ألف؛ فلم يقف للعرب أحد من الجانبين، وهزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم. (مقد 2، 527، 1)
-إذا حالت صبغة الدين وفسدت، كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبيّة وحدها دون زيادة الدين؛ فيغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوّة عليها الذين غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا أكثر عصبيّة منها وأشدّ بداوة. واعتبر هذا في الموحدين مع زناتة؛ لمّا كانت زناتة أبدى من المصامدة وأشدّ توحشا، وكان للمصامدة الدعوة الدينيّة باتباع المهدي، فلبسوا صبغتها وتضاعفت قوّة عصبيتهم بها، فغلبوا على زناتة أولا واستتبعوهم، وإن كانوا من حيث العصبيّة والبداوة أشدّ منهم؛ فلمّا خلوا عن تلك الصبغة الدينيّة انتقضت عليهم زناتة من كل جانب وغلبوهم على الأمر وانتزعوه منهم.
(مقد 2، 528، 4)
-إنّ كل دولة لها حصّة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها، والسبب في ذلك أنّ عصابة الدولة وقومها القائمين بها الممهدين لها لا بدّ من توزيعهم حصصا على الممالك والثغور التي تصير إليهم، ويستولون عليها لحمايتها من العدو، وإمضاء أحكام الدولة فيها من جباية وردع وغير ذلك. فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك فلا بدّ من نفاد عددها، وقد بلغت للمالك حينئذ إلى حدّ يكون ثغرا للدولة؛ وتخما لوطنها؛ ونطاقا لمركز ملكها. فإن تكلّفت الدولة بعد ذلك زيادة على ما بيدها بقي دون حامية وكان موضعا لانتهاز الفرصة من العدوّ والمجاور؛ ويعود وبال ذلك على الدولة، بما يكون فيه من التجاسر وخرق سياج الهيبة. وما كانت العصابة موفورة ولم ينفد عددها في توزيع الحصص على الثغور والنواحي، بقي في الدولة قوّة على تناول ما وراء الغاية، حتى ينفسح نطاقها إلى غايته. والعلّة الطبيعيّة في ذلك هي قوّة العصبيّة من سائر القوى الطبيعيّة، وكل قوة يصدر عنها فعل من الأفعال فشأنها ذلك