فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 1207

التعرّض لعقابهم. فصار لهم حجاب آخر أخصّ من الحجاب الأول، يفضي إليهم منه خواصّهم من الأولياء ويحجب دونه من سواهم من العامّة، والحجاب الثاني يفضي إلى مجالس الأولياء، ويحجب دونه من سواهم من العامة. والحجاب الأول يكون في أوّل الدولة كما ذكرنا، كما حدث لأيّام معاوية وعبد الملك وخلفاء بني أمية، وكان القائم على ذلك الحجاب يسمّى عندهم الحاجب جريا على مذهب الاشتقاق الصحيح. ثم لما جاءت دولة بني العباس وجدت الدولة من الترف والعز ما هو معروف، وكملت خلق الملك على ما يجب فيها، فدعا ذلك إلى الحجاب الثاني، وصار اسم الحاجب أخصّ به، وصار بباب الخلفاء داران للعباسية: دار الخاصة؛ ودار العامة، كما هو مسطور في أخبارهم. ثم حدث في الدول حجاب ثالث أخصّ من الأولين، وهو عند محاولة الحجر على صاحب الدولة وذلك أنّ أهل الدولة وخواص الملك إذا نصبوا الأبناء من الأعقاب، وحاولوا الاستبداد عليهم، فأوّل ما يبدأ به ذلك المستبد أن يحجب عنه بطانة أبيه وخواص أوليائه، يوهمه أنّ في مباشرتهم إيّاه خرق حجاب الهيبة، وفساد قانون الأدب، ليقطع بذلك لقاء الغير، ويعوده ملابسة أخلاقه هو، حتى لا يتبدّل به سواه، إلى أن يستحكم الاستيلاء عليه، فيكون هذا الحجاب من دواعيه.

وهذا الحجاب لا يقع في الغالب إلّا أواخر الدولة ... ويكون دليلا على هرم الدولة ونفاد قوّتها. وهو مما يخشاه أهل الدول على أنفسهم؛ لأنّ القائمين بالدولة يحاولون ذلك بطباعهم عند هرم الدولة وذهاب الاستبداد من أعقاب ملوكهم، لما ركّب في النفوس من محبة الاستبداد بالملك وخصوصا مع الترشيح لذلك وحصول دواعيه ومباديه. (مقد 2، 749، 5)

-الدولة في أول أمرها لا بدّ لها من الرفق في ملكتها والاعتدال في إيالتها، إما من الدين إن كانت الدعوة دينية، أو من المكارمة والمحاسنة التي تقتضيها البداوة الطبيعية للدول. وإذا كانت الملكة رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا، وانتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر، ويكثر التناسل.

وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في الأقل. وفي انقضاء الجيلين تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعي. فيكون حينئذ العمران في غاية الوفور والنماء ... وإن حدث ...

وقلّت الجبايات فإنما يظهر أثره في تناقص العمران بعد حين، من أجل التدريج في الأمور الطبيعية. ثم إن المجاعات والموتان تكثر عند ذلك في أواخر الدول.

(مقد 2، 771، 4)

-إنّ الحضارة هي أحوال عاديّة زائدة على الضروريّ من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرّفه وتفاوت الأمم في القلّة والكثرة تفاوتا غير منحصر. وتقع فيها عند كثرة التفنّن في أنواعها وأصنافها، فتكون بمنزلة الصنائع. ويحتاج كل صنف منها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت