فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 1207

الدولة على حالها من القوّة. (مقد 2، 552، 12)

-السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره. إلا أن الحاجة في أول الدولة إلى السيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم أشدّ من الحاجة إلى القلم؛ لأن القلم في تلك الحال خادم فقط منفّذ للحكم السلطاني؛ والسيف شريك في المعونة. وكذلك في آخر الدولة حيث تضعف عصبيتها ... ويقلّ أهلها بما ينالهم من الهرم الذي قدّمناه، فتحتاج الدولة إلى الاستظهار بأرباب السيوف وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدولة، والمدافعة عنها، كما كان الشأن أول الأمر في تمهيدها. فيكون للسيف مزية على القلم في الحالتين، ويكون أرباب السيف حينئذ أوسع جاها وأكثر نعمة وأسنى إقطاعا. وأما في وسط الدولة فيستغني صاحبها بعض الشي ء عن السيف لأنه قد تمهّد أمره، ولم يبق همّه إلا في تحصيل ثمرات الملك من الجباية والضبط ومباهاة الدول وتنفيذ الأحكام، والقلم هو المعين له في ذلك؛ فتعظم الحاجة إلى تصريفه وتكون السيوف مهملة في مضاجع أغمادها، إلا إذا نابت نائبة أو دعيت إلى سد فرجة وما سوى ذلك فلا حاجة إليها.

فيكون أرباب الأقلام في هذه الحاجة أوسع جاها، وأعلى رتبة، وأعظم نعمة وثروة، وأقرب من السلطان مجلسا، وأكثر إليه تردّدا وفي خلواته نجيّا. (مقد 2، 695، 13)

-الحجاب كيف يقع في الدول وأنّه يعظم عند الهرم: اعلم أنّ الدولة في أوّل أمرها تكون بعيدة عن منازع الملك، لأنّه لا بدّ لها من العصبيّة التي بها يتمّ أمرها ويحصل استيلاؤها، والبداوة هي شعار العصبية.

والدولة إن كان قيامها بالدين فإنّه بعيد عن منازع الملك؛ وإن كان قيامها بعز الغلب فقط فالبداوة التي بها يحصل الغلب بعيدة أيضا عن منازع الملك ومذاهبه، فإذا كانت الدولة في أوّل أمرها بدويّة كان صاحبها على حال الغضاضة والبداوة والقرب من الناس وسهولة الإذن. فإذا رسخ عزّه وصار إلى الانفراد بالمجد، واحتاج إلى الانفراد بنفسه عن الناس للحديث مع أوليائه في خواص شئونه، لما يكثر حينئذ من بحاشيته، فيطلب الانفراد عن العامّة ما استطاع، ويتّخذ الإذن ببابه على من لا يأمنه من أوليائه وأهل دولته، ويتّخذ حاجبا عن الناس يقيمه ببابه لهذه الوظيفة. ثم إذا استفحل الملك وجاءت مذاهبه ومنازعه استحالت خلق صاحب الدولة إلى خلق الملك، وهي خلق غريبة مخصوصة، يحتاج مباشرها إلى مداراتها ومعاملتها بما يجب لها، وربما جهل تلك الخلق منهم بعض من يباشرهم فوقع فيما لا يرضيهم، فسخطوه وصاروا إلى حالة الانتقام منه.

فانفرد بمعرفة هذه الآداب الخواص من أوليائهم، وحجبوا غير أولئك الخاصّة عن لقائهم في كل وقت، حفظا على أنفسهم من معاينة ما يسخطهم، وعلى الناس من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت