فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 1207

الاستظلال والكنّ لا ما وراءه؛ وقد يأوون إلى الغيران والكهوف. وأما أقواتهم فيتناولون بها يسيرا بعلاج أو بغير علاج البتّة إلّا ما مسّته النار. فمن كان معاشه منهم في الزراعة والقيام بالفلح كان القيام به أولى من الظعن؛ وهؤلاء سكان المدن والقرى والجبال، وهم عامة البربر والأعاجم. ومن كان معاشه في السائمة مثل الغنم والبقر فهم ظعن في الأغلب لارتياد المسارح والمياه لحيواناتهم؛ فالتقلّب في الأرض أصلح بهم؛ ويسمّون شاويّة، ومعناه القائمون على الشّاء والبقر؛ ولا يبعدون في القفر لفقدان المسارح الطيّبة؛ وهؤلاء مثل البربر والترك وإخوانهم من التركمان والصقالبة. وأمّا من كان معاشهم في الإبل فهم أكثر ظعنا وأبعد في القفر مجالا؛ لأنّ مسارح التلول ونباتها وشجرها لا يستغني بها الإبل في قوام حياتها عن مراعي الشجر بالقفر وورود مياهه الملحة والتقلّب فصل الشتاء في نواحيه فرارا من أذى البرد إلى دفاءة هوائه وطلبا لماخض النّتاج في رماله؛ إذ الإبل أصعب الحيوان فصالا ومخاضا وأحوجها في ذلك إلى الدّفاءة؛ فاضطروا إلى إبعاد النّجعة. وربما زادتهم الحامية عن التلول أيضا، فأوغلوا في القفار نفرة عن الضعة منهم. فكانوا لذلك أشدّ الناس توحّشا. وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه والمفترس من الحيوان العجم. وهؤلاء هم العرب؛ وفي معناهم ظعون البربر وزناتة بالمغرب والأكراد والتركمان والترك بالمشرق. إلا أنّ العرب أبعد نجعة وأشدّ بداوة لأنّهم مختصّون بالقيام على الإبل فقط، وهؤلاء يقومون عليها وعلى الشياه والبقر معها.

فقد تبيّن لك أنّ جيل العرب طبيعيّ لا بدّ منه في العمران. (مقد 2، 473، 2)

-إن الصريح من النسب إنّما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم، وذلك لما اختصّوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء المواطن، حملتهم عليها الضرورة التي عيّنت لهم تلك القسمة؛ وهي لما كان معاشهم من القيام على الإبل ونتاجها ورعايتها، والإبل تدعوهم إلى التوحّش في القفر لرعيها من شجره ونتاجها في رماله كما تقدّم، والقفر مكان الشّظف والسّغب فصار لهم إلفا وعادة وربيت فيه أجيالهم، حتى تمكّنت خلقا وجبلّة. فلا ينزع إليهم أحد من الأمم أن يساهمهم في حالهم، ولا يأنس بهم أحد من الأجيال. بل لو وجد واحد منهم السبيل إلى الفرار من حاله وأمكنه ذلك لما تركه. فيؤمن عليهم لأجل ذلك من اختلاط أنسابهم وفساده، ولا تزال بينهم محفوظة.

واعتبر ذلك في مضر من قريش وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة؛ لمّا كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع ولا ضرع، وبعدوا من أرياف الشام والعراق ومعادن الأدم والحبوب، كيف كانت أنسابهم صريحة محفوظة لم يدخلها اختلاط ولا عرف فيهم شوب.

وأمّا العرب الذين كانوا بالتلول وفي معادن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت