علم البيان. وقد عبّر ابن خلدون نفسه عن هذه الضرورة، إذ قال في أثناء حديثه عن أهل التصوّف: «ثم إن لهم مع ذلك آدابا مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم، إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا على التعبير عنه بلفظ يتيسّر فهمه منه» «1» .
فمن ذلك إطلاقه كلمة «العمران» على الاجتماع الإنساني، و «علم العمران» على البحوث التي تدرس ظواهر هذا الاجتماع للكشف عن القوانين الخاضعة لها؛ و «العصبية» على القوة والمنعة الناشئتين من روابط القرابة بين أفراد العشيرة أو القبيلة، و «العرب» بمعنى البدو ... إلخ. ولنحلّل بقليل من التفصيل مصطلح «العصبية» عند ابن خلدون، والذي غدا بمعنى وجدان القوم والشوكة والعنصرية، ولم تعد عصبية بطن أو قبيلة؛ إن انطلاقة فهم العصبية الخلدونية ترتكز على صلة الدم والرحم وعلى النعرة. وفي العودة إلى أصل دلالة العصبية والنعرة، فإن القارئ يجد أن العصبية من عصب، والعصب:
أطناب المفاصل التي تلائم بينها وتشدها ... ولحم عصب: صلب شديد ... وعصب الشجرة يعصبها عصبا: ضمّ ما تفرّق منها بحبل. وعصبة الرجل: بنوه وقرابته لأبيه ... وقد تعصّبوا عليه إذا تجمعوا «2» .
والجامع الشامل لهذه الدلالات: التماسك والتآزر والاجتماع والانشداد، وربما كان مردّ هذا التماسك والانشداد صلة الدم أو العرق والجنس إلخ ... فالعصبية بمعناها اللغوي تماسك الجماعة وشكيمتهم على قاعدة، وهي أشبه بنزعات العاطفة والوجدان المشترك الذي يشدّ جماعة ما إلى بعضهم. أما النعرة: فصوت في الخيشوم ... وينعر: صاح. ويقال دلالة على صورة خروج الدم. والنعرة: النخوة والأنفة «3» . لذا فإن المشترك فيما بين هذه الدلالات هو الصوت وحركة الدم والنخوة. فالفعل الجمّاع في باطن الفهم تبلور بالإحساس الوجداني وبالحاجة إلى التماسك، وليس عبثا أن
(1) المقدمة، 3/ 1099.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة عصب.
(3) المرجع ذاته، مادة نعر.