فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 1207

ويردّهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه، حتى يقرّ الأمر في نصابه، ويفرد أهل بيته بما يبني من مجده. فيعاني من مدافعتهم ومغالبتهم مثل ما عاناه الأولون في طلب الأمر أو أشدّ؛ لأن الأولين دافعتهم الأجانب فكان ظهراؤهم على مدافعتهم أهل العصبية بأجمعهم؛ وهذا يدافع الأقارب لا يظاهره على مدافعتهم إلا الأقل من الأباعد، فيركب صعبا من الأمر. الطور الثالث: طور الفراغ والدّعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدّخل والخرج وإحصاء النفقات والقصد فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتّسعة والهياكل المرتفعة، وإجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل، وبثّ المعروف في أهله، هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه؛ واعتراض جنوده وإدرار أرزاقهم وإنصافهم في أعطياتهم لكل هلال حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشكّتهم وشاراتهم يوم الزينة، فيباهي بهم الدول المسالمة، ويرهب الدول المحاربة. وهذا آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة.

لأنهم في هذه الأطوار كلها مستقلون بآرائهم، بانون لعزّهم، موضحون الطرق لمن بعدهم. الطور الرابع: طور القنوع والمسالمة. ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما بنى أولوه، سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله، مقلّدا للماضين من سلفه، فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل، ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء، ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده. الطور الخامس:

طور الإسراف والتبذير. ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه، واصطناع أخدان السوء وخضراء الدّمن (الذي يخرج من أصل سيّئ) ، وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون بحملها، ولا يعرفون ما يأتون ويذرون منها، مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه، حتى يضطغنوا عليه، ويتخاذلوا عن نصرته، مضيعا من جنده بما أنفق أعطياتهم في شهواته، وحجب عنهم وجه مباشرته وتفقّده. فيكون مخرّبا لما كان سلفه يؤسّسون، وهادما لما كانوا يبنون. وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه، ولا يكون لها معه برء، إلى أن تنقرض. (مقد 2، 553، 18)

-الملك منصب طبيعي للإنسان؛ لأنّا قد بيّنا (ابن خلدون) أن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلّا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضروريّاتهم. وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات، ومدّ كلّ واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه، لما في الطبيعة الحيوانيّة من الظلم والعدوان بعضهم على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت