فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 1207

وإيلافها، فتربى أجيالهم الحادثة في غضارة العيش ومهاد الترف والدعة، وينقلب خلق التوحّش، وينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك، من شدّة البأس، وتعوّد الافتراس، وركوب البيداء، وهداية القفر. فلا يفرّق بينهم وبين السّوقة من الحضر إلّا في الثقافة والشارة، فتضعف حمايتهم، ويذهب بأسهم، وتنخضد شوكتهم، ويعود وبال ذلك على الدولة بما تلبس به من ثياب الهرم.

(مقد 2، 544، 5)

-إنّ الغلب الذي يكون به الملك إنّما هو بالعصبيّة وبما يتبعها من شدّة البأس وتعوّد الافتراس؛ ولا يكون ذلك غالبا إلّا مع البداوة؛ فطور الدولة من أوّلها بداوة. ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع الأحوال، والحضارة إنّما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله؛ فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنّق فيه تختصّ به ويتلو بعضها بعضا. (مقد 2، 548، 7)

-إذا حصل لهم (القبيل) الملك والترف كثر التناسل والولد والعمومية، فكثرت العصابة؛ واستكثروا أيضا من الموالي والصنائع وربيت أجيالهم في جو ذلك النعيم والرّفه فازدادوا بهم عددا إلى عددهم وقوّة إلى قوّتهم بسبب كثرة العصائب حينئذ بكثرة العدد. فإذا ذهب الجيل الأول والثاني وأخذت الدولة في الهرم لم تستقل أولئك الصنائع والموالي بأنفسهم في تأسيس الدولة وتمهيد ملكها، لأنهم ليس لهم من الأمر شي ء، إنما كانوا عيالا على أهلها ومعونة لها؛ فإذا ذهب الأصل لم يستقل الفرع بالرسوخ فيذهب ويتلاشى؛ ولا تبقى الدولة على حالها من القوة. (مقد 2، 552، 14)

-الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متجدّدة، ويكتسب القائمون بها في كلّ طور خلقا من أحوال ذلك الطور لا يكون مثله في الطور الآخر، لأن الخلق تابع بالطبع لمزاج الحال الذي هو فيه.

وحالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار: الطور الأول: طور الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع، والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة السالفة قبلها. فيكون صاحب الدولة في هذا الطور أسوة قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية، لا ينفرد دونهم بشي ء؛ لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب وهي لم تزل بعد بحالها. الطور الثاني: طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة. ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنيّا باصطناع الرجال واتّخاذ الموالي والصنائع، والاستكثار من ذلك، لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبة، الضاربين في الملك بمثل سهمه. فهو يدافعهم عن الأمر، ويصدّهم عن موارده،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت