-أما الفقرة الثانية: وهي الحكم فيمن طلق زوجته بغير سبب؛ فإن أهل العلم يقولون: إن الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة؛ أي: أنه يكون واجبًا، ويكون حرامًا، ويكون مستحبًا، ويكون مكروهًا، ويكون مباحًا . فالأصل أن الطلاق غير مرغوب فيه؛ وذلك لأنه حَلّ قيد النكاح الذي رغب فيه الشرع ودعا إليه، ولأنه ربما يحصل فيه مضار كثيرة؛ كما لو كانت المرأة ذات أولاد من الزوج فإنه يحصل بهذا الطلاق تفرق الأسرة والمشاكل التي تنتج عن هذا . وإذا دعت الحاجة إليه لعدم التمكن من العيش بسعادة بين الزوجين فحينئذ يكون مباحًا، وهو من نعمة الله عز وجل؛ أعني كونه مباحًا في هذه الحال؛ لأنه لو بقي الزوجان في حياة شقاء وعناء لتنكدت عليهم الدنيا، ولكن من نعمة الله أنه إذا دعت الحاجة إليه كان مباحًا .
وأما سؤال الزوجة الطلاق: فإنه حرام إلا أن يكون هناك بأس؛ مثل أن يكون الزوج ناقص الدين أو ناقص الخلق أو عجزت أن تطيق الصبر معه؛ فحينئذ لا بأس أن تسأل الطلاق - كما فعلت ذلك زوجة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه حين جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله .. ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكنني أكره الكفر في الإسلام؛ تريد أنها تخشى أن تكفر حق زوجها بالإسلام فتطلب المفارقة؛ فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام:"أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟"- وكان قد أعطاها إياها مهرًا - قالت: نعم؛ فقال لزوجها ثابت رضي الله عنه:"اِقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً" [1] . وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام:"أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ" [2] ، وهذا الحديث يدل على أن سؤالها الطلاق - من غير سبب يقتضيه - من كبائر الذنوب؛ لأنه جاء فيه الوعيد .
ــــــــــــــــــ
[1] البخاري (5273) ، وأطرافه عنده .