ولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم به، وشرط كون الإنسان شهيدًا أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهي نية باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم مشيرًا إلى ذلك:"مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - [3] ، وقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ" [4] . رواهما البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك، ولا نشهد له به، ولا نسيء به الظن. والرجاء مرتبة بين المرتبتين، ولكننا نعامله في الدنيا بأحكام الشهداء، فإذا كان مقتولًا في الجهاد في سبيل الله دفن بدمه في ثيابه من غير صلاة عليه، وإن كان من الشهداء الآخرين فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه .
ولأننا لو شهدنا لأحد بعينه أنه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة؛ وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة، فإنهم لا يشهدون بالجنة إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالوصف أو بالشخص. وذهب آخرون منهم إلى جواز الشهادة بذلك لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه . وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .
وبهذا تبين أنه لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد إلا بنص أو اتفاق؛ لكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك كما سبق، وهذا كافٍ في منقبته، وعلمه عند خالقه سبحانه وتعالى .
ــــــــــــــــــــ
[1] أَوْقَرَ: أي حَمَّلَ، من الوِقْر: وهو الحِمْل الذي يوضع على الدابة.