الثالث: الإباحة؛ وذهب إليها المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة، وهذا القول هو الراجح - إن شاء الله - بشرط ألا تكون المغنية امرأة بالغة؛ لأن المرأة الكبيرة يحرم عليها التكسر في الكلام أو ترخيمه وغيرها مما تفعله المغنيات؛ وقد رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - للجواري في الغناء في العِيد، والجارية هي المرأة التي دون البلوغ، كما في حديث عائشة - رضي الله عنها-: (( كانت عندي جاريتان تُغَنِّيَان، فدخل أبو بكر فقال: مِزْمَارُ الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: دَعْهُمَا فإنها أَيَّام عِيد ) )؛ متفق عليه.
ولا شَكَّ أن سماع الغناء المُحَرَّم يُؤَثِّرُ في الصيام من حيث إنقاص أجره؛ لأنَّ سماع ذلك يتنافى مع الحِكْمَة التي شُرِعَ من أجلها الصيام، حيث قال الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
ففي الآية بيانُ أهم مقاصد الصيام هو تحصيل تقوى الله - سبحانه - كما بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الصَّوْم جُنَّة؛ أي وِقَاية للصائم من المعاصي في الدنيا بكسر الشهوة، وحِفْظ الجَوَارح، ووقاية له من النار في الآخرة؛ وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم-: (( الصِّيَام جُنَّة، فإذا صام أحَدُكُمْ فلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ ) )؛ رواه البخاري ومسلم.
وقال جابر بن عبدالله - رضي الله عنه:"إذا صُمْتَ فلْيَصُمْ سمعُكَ، وبَصَرُك، ولسَانُك عَنِ الكَذِب والمَحَارِم"، ومن صيام السمع صَوْنُه عن سماع المُحَرَّمَاتِ والمُنْكَرَات إلخ.
وبناءً على ما تقدم نقول: إن من استمع إلى الأغاني في نهار رمضان فعليه بالتوبة، وكثرة الاستغفار، ولا يُفْطِر بذلك، ولا يَبْطُلُ صيامه.