فإن الله تعالى لم يتعبَّدْ عبادَهُ بقول أبي حنيفةَ - رحمه الله - ولا بقَوْلِ غيْرِه من الأئمة المتَّبَعين، وإنما تعبَّدَهُم بالكتاب والسُّنة والإجماع الصحيح، وأَوْجَبَ على المسلمين طاعَتَهُ سبحانه وطاعةَ رَسولِه - صلى الله عليه وسلم - باتِّباعِ الدليل الصحيح بفَهْمِ سَلَفِ الأُمَّة؛ فما كان موافقًا للدليل من أقوال أهل العلم؛ أخذ به، بِغَضِّ النظر عن قائله؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59] ، وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهدِيِّينَ من بَعْدِي، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذ ) )؛ رواه أحمد والترمذي عن العرباض بن سارية، وهذا ما أَوْصَى به الأئمة المتَّبَعُون، من الأربعة وغيرهم؛ حيث قالوا جميعا:"إذا صحَّ الحديث فهو مَذْهَبِي"،"وإذا رَأَيْتُمْ قَوْلًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - يخالفُ قولي فاضرِبوا بقولي عُرْضَ الحائط"