وقال أبو محمد بن حزم في الإحكام: مَنْ ترك شيئًا مِنْ أَفْعَالِهِ- صلى الله عليه وسلم - راغبًا عَنْهَا فَهُوَ كافِرٌ، وأَمَّا مَنْ تَرَكَهَا غَيْرَ راغِبٍ لكنِ اقتصارًا على الفَرْضِ وَتَخْفِيفًا من باب التَّطَوُّعِ عالمًا أنَّهُ يَتْرُكُ فَضلًا كثيرًا فَقَدْ أَفْلَحَ. اهـ.
أما تارك السنن الواجبة فَمُتَوَعَّدٌ بالعِقاب بخلاف من يَتْرُكُ سُنّة مُستحبَّةً فلا يُعاقَبُ.
وَقَدْ يُطْلَقُ أيضًا لَفْظُ السُّنَّةِ مُقَابلَ البِدْعَةِ, أي يقصد بها هَدْي النَّبِيِّ عموما سواء في أُصولِ الدِّينِ أو فروعه وما كان عليه الصَّدْرُ الأَوَّل مِنَ المتابعة لذلك الهَدْيِ؛ قال الإمام الشاطبي: يقال فلان على سُنّةٍ إذا عَمِلَ على وَفْقِ ما عَمِلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ويقال فلان على بدعة إذا عَمِلَ خِلافَ ذَلِكَ". اهـ."
وقَدْ يَتَنَاوَلُ لفظُ السُّنَّةِ كذلك عَمَلَ الصحابة - رضي الله عنهم - فيما لا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فيه
وحملوا على هذا المعنى حديثَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - (( فَمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) )؛ متفق عليه. قال الحافظ ابن حجر في الفتح عند شرحه لهذا الحديث: قوله: فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، المُرَادُ بِالسُّنَّةِ الطَّريقَة لا التي تُقَابِلُ الفرضَ، والرغبة عَنِ الشيء الإعراضُ عنه إلى غيره، والمراد مَنْ ترك طريقتي وأخذ بِطَريقَةِ غَيْرِي فَلَيْسَ مِنِّ إلى أن قال: وقولُه (فليس مني) إن كانت الرغبةُ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ يُعْذَرُ صاحبُه فيه، فمعنى ليس مني أي على طريقتي ولا يلزم أن يخرج عن الملة، وإن كان إعراضًا وتنطعًا يُفْضِي إلى اعتقادِ أرجحِيَّةِ عمله، فليس مني ليس على مِلَّتِي؛ لأنَّ اعتقادَ ذلك نوعٌ من الكُفْرِ. اهـ.