والقرآن الكريم زاخرٌ بهذه المعاني الدالَّة على بطلان حُجَج مَنْ كفر تقليدًا للآباء والأجداد، لاسيما إنْ كان من اليهود والنصارى؛ فقد بشَّر المسيح ابن مريم بمحمد بن عبدالله - عليهما الصلاة والسلام - ولا تزال هذه البشارة موجودة في الأناجيل، على الرغم من استمرار التحريف والتبديل؛ فببعثة محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم - قطع الله الأعذار للبشر؛ قال ابن القيم"في"مدارج السالكين":"فإن حجَّة الله قامت على العبد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكُّنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكَّن من معرفة ما أمر الله به، ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه؛ فقد قامت عليه الحجَّة، والله - سبحانه - لا يعذِّب أحدًا إلا بعد قيام الحجَّة عليه"."
والحاصلُ: أن الإنسان إنما يعذَّبُ - إذا ولد لأبوَيْن كافرَيْن - لاستمراره على الكفر بعد بلوغه، وتمكُّنه من الاستدلال والنَّظَر، الذي يوافق الفطرة التي فطره الله عليها، وهي التهيُّؤ لقبول الحق، ثم إن الله - تعالى - برحمته لا يعذبه إلا بعد بلوغ الحجَّة إليه بطريقة يفهمها - قطعًا للعذر - ثم رفضه إيَّاها؛ قال - تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134] ، وقال - تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] ،، والله أعلم.