قال أبو محمد بن حزم:"فإذْ لاحُجَّة في ايجاب الكفَّارة على قاتل العمد لا من قرآنٍ، ولا من سنة؛ فإن الله تعالى يقول: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ، وقال تعالى: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] ،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ دِماءَكُم وأموالَكُم عليْكم حرامٌ ) )."
فصح أنَّ الدّينَ كلّ قد كمل، وبيَّنه الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وبيقين ندري أنه لو كان في قتل العمد كفارةٌ محدودة لبَيَّنها الله تعالى كما بيَّن لنا الكفارة في قتل الخطأ، وكما بيَّن لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجود القود أو الدية أو المفاداة في ذلك، فإذ لم يخبرنا الله تعالى بشيء من ذلك ولا أوجبه هو ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فنحن نشهد بشهادة الله تعالى أنه ما أراد قَطّ كفارة محدودة في ذلك، ولكنَّ الله تعالى يقول: {وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ} إلى قوله تعالى {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] ، وقال تعالى: {إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] .
فمَنِ ابتُلِيَ بقتل مسلم عمدًا فقدِ ابْتُلِيَ بأكْبَرِ الْكَبَائِر بعد الشركِ وترْكِ الصلاة؛ ففرض عليه أن يسعى في خلاص نفسه منَ النَّار، فَلْيُكْثِر من فعل الخير: العِتق والصدقة والجهاد والحج والصوم والصلاة وذكر الله تعالى؛ فلعله يأتي من ذلك بمقدار يوازي إساءته في القتل فيسقط عنه، ونسأل الله العافية". اهـ."
وقد أوجب الكفّارةَ في القتل العمد الشّافعيّة، وهو رواية عن أحمد, وإليه ذهب الزهري.