"ويُحْتَمَلُ أن يكون أنس أراد أنه يُعْرَف ذلك في اللَّهَوَاتِ بتغَيُّر لونِها أو بنُتُوءٍ فيها أو تَحْفِيْر". كذا في الفتح مختصرًا، وقال النووي:"كأنه بقي للسُّمِّ علامة وأثر من سواد أو غيره... وفيه بيان عصمته - صلى الله عليه وسلم - من الناس كلهم، كما قال الله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67] ، وهي معجزة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سلامته من السُّم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن الذِّرَاعَ تُخبِرُني أنها مسمومة ) )"، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهيدًا.
يقول الزرقاني في"شرح المواهب اللدنية":"ومن المعجزة أنه لم يؤثر فيه في وقته، لأنهم قالوا:"إن كان نبيًا لم يضره، وإن كان مَلِكًا استرحنا منه"، فلما لم يُؤثِّر فيه تيقَّنوا نبوته حتى قيل: إن اليهودية أسلمت، ثم نقض عليه بعد ثلاث سنوات لإكرامه بالشهادة."
ومما سبق يُعْلَمُ أن الحُمَّى التي أصابته - صلى الله عليه وسلم - قبل موته كانت من أثر السُّم الذي تناوله بخيبر، فلم يضره ذلك السُّم طول حياته، ولم يؤثر عليه في ذلك الوقت - غير ما أثر بلَهَوَاتِهِ وغير ما كان يعاوده منه في أوقات - فقاد الجيوش بعد ذلك ودخل المعارك الكبرى وانتصر فيها، وفاوض الأعداء، واستقبل الوفود، ومارس حياته العادية، حتى وافاه الأجل المحتوم بصورة طبيعية، فأحدث الله تعالى ضرر ذلك السُّم في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتوفي بسببه، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مرضه الذي توفي فيه: (( مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الأَكْلَةِ الَّتِى أَكَلْت بِخَيْبَر فهذا أَوَان قَطَعَتْ أَبْهَرِى ) ).