ومن المقرَّر أصوليًّا: أنَّ المُطلَق يتحقَّق في أيِّ فرد من أفراده، ويَصْدُق برؤية البعض؛ لأنَّ عمومه بَدَلِيٌّ؛ فاستوى القُرْب والبُعْد بين البلدان في مُطلَق الرُّؤية التي تُعَدُّ علَّة الحُكْم.
-واحتجُّوا - أيضًا - بما رواه أبو داود والنَّسائيّ عن أبى عُمَيْر بن أنس، عن عُمومَةٍ له من أصحاب النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم:"أنَّ ركبًا جاؤوا إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَشهدون أنَّهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يُفطِروا، وإذا أصبحوا أن يَغدوا إلى مُصلاَّهم"؛ صحَّحه الحافظ ابن حجر في"بلوغ المرام".
قال شيخ الإسلام في"مجموع الفتاوى":"مَسأَلةُ: (رُؤيةُ بعض البلاد رؤيةٌ لجميعها) فيها اضطراب؛ فإنَّه قد حكى ابنُ عبد البَرِّ الإجماعَ على أنَّ الاختلاف فيما يُمكِن اتِّفاق المَطالِع فيه، فأمَّا ما كان مثل الأندلُس وخُراسان؛ فلا خلاف أنَّه لا يُعتبَر."
قلتُ: أحمدُ اعتَمَد في الباب على حديث الأعرابي الذي شهد أنَّه أهلَّ الهلالُ البارِحة؛ فأمَرَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الناس على هذه الرُّؤية، مع أنَّها كانت في غير البلد، وما يمكن أن تكون فوق مسافة القصر، ولم يَستَفصِله، وهذا الاستدلال لا يُنافي ما ذكره ابن عبد البر. لكن ما حدُّ ذلك؟ والذين قالوا:"لا تكون رؤيةً لجميعها"كأكثر أصحاب الشافعي؛ مِنهم مَن حدَّد ذلك بمسافة القَصْر، ومِنهم مَن حدَّد ذلك بما تَختَلِف فيه المطالِع: كالحجاز مع الشام، والعراق مع خُراسان، وكلاهما ضعيفٌ؛ فإنَّ مسافة القَصْر لا تَعلُّق لها بالهلال. وأمَّا الأقاليم فما حدُّ ذلك؟
ثم هذان خطأ من وجهين: