ولذلك قال العلماء في حَدِّه: هو دَمُ طبيعة وجِبِلَّة يأتي الأنثى في أوقات معروفة، والتَّسْمية تابعة لذلك، والشارع أَقَرَّ النساء على هذه التسمية لهذا الدم الخارج منهن، وعَلَّقَ عليه من الأحكام الشرعية مَا عَلَّق، ففهم الناس عنه هذه الأحكام وعَلَّقُوها على وجود هذا الدَّم ومتى زَالَ زَالت؛ لأن الحكم يَدُور مع عِلّته وجُودًا وعدمًا .
فلهذا كان الصحيح بل الصواب المقطوع به: أنه لا حَدّ لأقل الحيض سنًّا وزمنًا ولا لأكثره، ولا لأقل الطُّهر بين الحيضتين؛ بل الحيض هو وجود الدَّم، والطهر فقده، ولو زاد أو نقص أو تأخر أو تقدم؛ لظاهر النُّصوص الشَّرعية وظاهر عمر المسلمين؛ ولأنه لا يَسَع النِّساء العمل بغير هذا القول.
وأما المشهور من المذهب: فإن أقل من تَحِيض فيه المرأه تسع سنين وأكثره خمسون سنة، وأقل مدة الحيض: يوم وليلة، وأكثره: خمسة عشر يومًا، وما خرج عن هذا فهو دم فساد لا تترك له العبادة، وإن زاد عن العادة أو تقدم أو تأخر لم تصر إليه حتى يتكرر ثلاثًا فيصير عادة تنتقل إليه، ثم تَقْضي ما صَامته أو اعتكفته ونحوه .
وحجتهم على هذا القول بعضِه لا كُلِّه: أن هذا الموجود الغالب وما خرج عنه نادر، والأصل أن النَّادر لا يثبت له حكم .
وهذه حجة ضعيفة جدًّا فإن الوجود يتفاوت تفاوتًا كثيرًا، وبالإجماع أَنَّ النِّساء يتفاوتن في هذه الأمور تفاوتًا ظاهرًا .
والأسماء ثلاثة أقسام: شرعية ولغوية وعرفية، وكلها تتطابق على أن هذا الدَّم حيض وأن عدمه طهر؛ فلا أبلغ من حكم اتفقت عليه الحقائق الثلاث .
فعلى المذهب: الاستحاضة من تجاوز دمها خمسة عشر يومًا، أو كان دمًا غير صالح للحيض؛ بأن نقص عن يوم وليلة أو كان قبل تِسْع سِنين أو بعد خمسين سنة .
وأما على القول الصَّحيح: فالحيض هو الأصل، والاستحاضة عارض لمرضٍ أو نحوه مثل أن يطبق عليها الدم، أو تكون شبيهة بالمطبق عليها الدم بأن لا تطهر إلا أوقاتًا لا تذكر .