فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 1207

فقدانها؛ فما رئموا للمذلّة حتى عجزوا عن المدافعة، ومن عجز عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة.

(مقد 2، 502، 3)

-العصبيّة ... هي التي تكون بها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة، وإنّ من فقدها عجز عن جميع ذلك كلّه. (مقد 2، 503، 8)

-إذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها ومتمماتها، وهي الخلال؛ لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهوره عريانا بين الناس. وإذا كان وجود العصبية فقط من غير انتحال الخلال الحميدة نقصا في أهل البيوت والأحساب، فما ظنّك بأهل الملك الذي هو غاية لكل مجد ونهاية لكل حسب.

(مقد 2، 505، 1) - إنّ الملك إنّما حصل لهم (بعض الشعوب) بعد سورة الغلب والإذعان لهم من سائر الأمم سواهم، فيتعيّن منهم المباشرون للأمر الحاملون لسرير الملك. ولا يكون ذلك لجميعهم لما هم عليه من الكثرة التي يضيق عنها نطاق المزاحمة والغيرة التي تجدع أنوف كثير من المتطاولين للرتبة.

فإذا تعيّن أولئك القائمون بالدولة انغمسوا في النعيم، وغرقوا في بحر الترف والخصب، واستعبدوا إخوانهم من ذلك الجيل، وأنفقوهم في وجوه الدولة ومذاهبها. وبقي الذين بعدوا عن الأمر وكبحوا عن المشاركة في ظلّ من عزّ الدولة التي شاركوها بنسبهم، وبمنجاة من الهرم لبعدهم عن الترف وأسبابه. فإذا استولت على الأوّلين الأيام، وأباد خضراءهم الهرم، فطبختهم الدولة، وأكل الدهر عليهم وشرب، بما أرهف النعيم من حدّهم، واشتفت غريزة الترف من مائهم، وبلغوا غايتهم من طبيعة التمدّن الإنسانيّ والتغلّب السياسي ... كانت حينئذ عصبيّة الآخرين موفورة، وسورة غلبهم من الكاسر محفوظة، وشارتهم في الغلب معلومة؛ فتسمو آمالهم إلى الملك الذي كانوا ممنوعين منه بالقوّة الغالبة من جنس عصبيّتهم، وترتفع المنازعة لما عرف من غلبهم، فيستولون على الأمر ويصير إليهم.

وكذا يتّفق فيهم مع من بقي أيضا منتبذا عنه من عشائر أمّتهم. فلا يزال الملك ملجأ في الأمّة إلى أن تنكسر سورة العصبية منها أو يفنى سائر عشائرها. سنّة اللّه في الحياة الدنيا، وَ الْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (الزخرف: 35) . واعتبر هذا بما وقع في العرب لمّا انقرض ملك عاد قام به من بعدهم إخوانهم من ثمود، ومن بعدهم إخوانهم العمالقة، ومن بعدهم إخوانهم من حمير، ومن بعدهم إخوانهم التبابعة من حمير أيضا، ومن بعدهم الأذواء كذلك، ثم جاءت الدولة لمضر.

وأصل هذا كلّه إنّما يكون بالعصبيّة؛ وهي متفاوتة في الأجيال؛ والملك يخلقه التّرف ويذهبه، كما سنذكره بعد. فإذا انقرضت دولة فإنّما يتناول الأمر منهم من له عصبيّة مشاركة لعصبيّتهم التي عرف لها التسليم والانقياد، وأونس منها الغلب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت