فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 1207

الظفر إلى التأسيس والاستبداد، فالغنى والتوسّع إلى الدعة والخمول والانهيار، ثم عودة مجدّدة.

إن ابن خلدون وقف بين تأمّلية نظرية تدور حول صورة عالم انقضى وبين بشارة بعالم يأتي. ووقفته هذه بيّنة في نزعته لتحقيق صيرورة اجتماعية ثقافية محدّدة. لم يدرك ابن خلدون الإنسان كذات وكموضوع معا، فيخرج بصيرورة فلسفية للإنسانية، ولم يكتف بالتجربية الخالصة، فإن دورته وعمل العصبية وربط الوقائع تدلّ جميعها على محاولات إضفاء الذات المتفلسفة على الموضوع. ولعلّ ما حلّ بنظرة ابن رشد الفلسفية من تطوّر، يمثّل بعدا فاعلا في المدركات الخلدونية، وهذا حكم الأوضاع الثقافية والاجتماعية، وربما درجة تطوّر العلوم وأبحاثها، بما تمدّانه من منهج.

لقد تخطّى ابن خلدون كل كتبة التاريخ العربي والإسلامي الذين تحكّمت فيهم النظرة الذرية الكلامية لرؤية العالم مجزّأ غير متّصل، وأن الزمان محصور في الحدث والخبر التاريخيين عندهم، إضافة إلى جهلهم بالوقائع وعدم موضوعيتهم ونقلهم الأخبار والخرافات من غير تدقيق. وهو، في تخطّيه لهم، حاول رؤية التاريخ في زمان متّصل كلّي شمولي مترابط متفاعل الأحداث تحرّكه فاعلية ما. إنه في هذا يلتقي مع الفارابي في التخلّص من النظرة المجزّأة ومن المدن المبعثرة، إلى النظرة الكلّية الشاملة إلى الأمة واجتماعها العام على أسس، فإلى ترابط العالم والوجود ترابطا متّصلا. ولم يكن ذلك تأثّرا بالعقل اليوناني، فابن خلدون ليس بمنظر أو فيلسوف بالمعنى التقليدي، بل جاء فكره نتيجة دواعي مجتمعية، وتطوّر في الذات العارفة، والذات المجتمعية، أفضت جميعها للالتقاء بالعقل اليوناني عند الفارابي، وللزمان المتّصل في العمران والتاريخ عنده هو. بيد أن هذا الزمان لم يبلغ مبلغ الكمال في صيرورة غدوية مستقبلية إذ انحبس عند معطيات مجتمعه بوقائعه وبناه المعرفية ومنها اللسنية.

وخلاصة القول مفادها أن ابن خلدون نموذج مثال للمفكّر التاريخي والاجتماعي، ابن الثقافة العربية والإسلامية. لقد ترك في مقدّمته الشواهد الحيّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت