فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 1207

على فعل الطبيعة المعرفية العربية في النتاج الفكري، وذلك من خلال تجريبيته ووقائعيته وفهمه لدور السبب والدورة التاريخية الدائرية. وأظهر أثر النمط الإسلامي المعرفي ومنهجيته في سماتها وجهاتها، وكل ذلك بيّن في مقدّمته.

ومن ثمّ مثّل نموذج المفكّر العربي الذي استند على مرجعيتين، وتقدّم في البحث نحو آفاق جديدة تماما، وضع فيها بعض أسس دراسة التاريخ ودور العمران، وأثر العوامل المختلفة فيهما. وعلى الرغم من أنه لم يخرج بنتيجة مقولية عالمية، إلّا أن نظرته لسيرورة التاريخ قفزت قفزة مهمّة نحو إحداث ما سمّي لاحقا بفلسفة التاريخ والفلسفة الاجتماعية. وعلى الرغم من بقاء نظرته حبيسة الإطار المتوسطي والعربي والإسلامي، لكنه تخطّى أعمال التاريخيين، ليلج مدخلا على شي ء من اتّصالية الحدث وشمولية النظرة في إدخال العوامل المختلفة على التاريخ والمعاش والاجتماع. وقفزته هذه أصيلة بديئة، وهي بنت العربية والإسلام ونموذج الإبداع والتوليد.

3 -رأي ابن خلدون في اتجاهات الاجتهاد وأصالتها

يرى ابن خلدون أن الفقه في بداياته الأولى لم يكن يحتاج إلى قوانين وقواعد وأصول لتنظيم أحكامه، إذ إن اللغة العربية ودلالة الألفاظ على المعاني فيها كانت ملكة عند العرب. فلما فسدت الملكة، وربما قصد تكرار الألفاظ ودخول الأقوام من غير العرب، قيّدها الجهابذة بقواعد ونقل وقوانين، فجرّدوها علوما يحتاج إليها الفقيه. ثم جاء القياس وفيه تحقيق الأصل والفرع فيما يقاس ويماثل من الأحكام. واعتبر «هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملّة وكان السلف في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية. وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصا فمنهم أخذ معظمها. وأما الأسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النقلة وخبرتهم بهم» «1» . فهل تعود منهم إلى اجتهادات الخلفاء ودعوتهم إلى اتباع

(1) المقدمة، 3/ 1064.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت