فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 1207

وهي الخلال؛ لأنّ وجوده دون متمّماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهوره عريانا بين الناس. وإذا كان وجود العصبيّة فقط من غير انتحال الخلال الحميدة نقصا في أهل البيوت والأحساب، فما ظنّك بأهل الملك الذي هو غاية لكل مجد ونهاية لكل حسب. (مقد 2، 504، 10)

-إذا نظرنا في أهل العصبيّة ومن حصّل لهم الغلب على كثير من النواحي والأمم، فوجدناهم يتنافسون في الخير وخلاله من الكرم والعفو عن الزلّات، والاحتمال من غير القادر، والقرى للضيوف، وحمل الكلّ، وكسب المعدم، والصبر على المكاره، والوفاء بالعهد، وبذل الأموال في صون الأعراض، وتعظيم الشريعة، وإجلال العلماء الحاملين لها، والوقوف عند ما يحدّدونه لهم من فعل أو ترك، وحسن الظنّ بهم، واعتقاد أهل الدين والتبرّك بهم، ورغبة الدعاء منهم، والحياء من الأكابر والمشايخ وتوقيرهم وإجلالهم، والانقياد إلى الحق مع الداعي إليه، وإنصاف المستضعفين من أنفسهم، والتبذّل في أحوالهم، والانقياد للحق، والتواضع للمسكين، واستماع شكوى المستغيثين، والتديّن بالشرائع والعبادات، والقيام عليها وعلى أسبابها، والتجافي عن الغدر والمكر والخديعة ونقض العهد وأمثال ذلك، علمنا أن هذه خلق السياسة قد حصلت لديهم، واستحقّوا بها أن يكونوا ساسة لمن تحت أيديهم، أو على العموم، وأنّه خير ساقه اللّه تعالى إليهم مناسب لعصبيّتهم وغلبهم، وليس ذلك سدى فيهم، ولا وجد عبثا منهم؛ والملك أنسب المراتب والخيرات لعصبيتهم، فعلمنا بذلك أن اللّه تأذّن لهم بالملك وساقه إليهم. وبالعكس من ذلك إذا تأذن اللّه بانقراض الملك من أمّة حملهم على ارتكاب المذمومات، وانتحال الرذائل، وسلوك طرقها، فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة، ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم، ويتبدّل به سواهم ليكون نعيا عليهم في سلب ما كان اللّه قد آتاهم من الملك، وجعل في أيديهم من الخير. (مقد 2، 506، 6)

-اعلم أنّ من خلال الكمال التي يتنافس فيها القبائل أولو العصبيّة وتكون شاهدة لهم بالملك إكرام العلماء والصالحين والأشراف وأهل الأحساب وأصناف التجار والغرباء وإنزال الناس منازلهم.

وذلك أن إكرام القبائل وأهل العصبيّات والعشائر لمن يناهضهم في الشرف ويجاذبهم حبل العشير والعصبية ويشاركهم في اتّساع الجاه أمر طبيعي يحمل عليه في الأكثر الرغبة في الجاه أو المخافة من قوم المكرم أو التماس مثلها منه. وأمّا أمثال هؤلاء ممن ليس لهم عصبيّة تتقى ولا جاه يرتجى فيندفع الشكّ في شأن كرامتهم ويتمحّض القصد فيهم أنّه للمجد، وانتحال الكمال في الخلال والإقبال على السياسة بالكلّية. لأنّ إكرام أقتاله وأمثاله ضروريّ في السياسة الخاصّة بين قبيله ونظرائه؛ وإكرام الطارئين من أهل الفضائل والخصوصيّات كمال في السياسة العامّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت