فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 1207

فالصالحون للدين؛ والعلماء للّجإ إليهم في إقامة مراسم الشريعة؛ والتجار للترغيب حتى تعمّ المنفعة بما في أيديهم؛ والغرباء من مكارم الأخلاق؛ وإنزال الناس منازلهم من الإنصاف وهو من العدل. فيعلم بوجود ذلك من عصبيّته انتماؤهم للسياسة العامّة وهي الملك، وأنّ اللّه قد تأذّن بوجودها فيهم لوجود علاماتها. ولهذا كان أول ما يذهب من القبيل أهل الملك إذا تأذّن اللّه تعالى بسلب ملكهم وسلطانهم إكرام هذا النصف من الخلق. فإذا رأيته قد ذهب من أمّة من الأمم فاعلم أنّ الفضائل قد أخذت في الذهاب عنهم، وارتقب زوال الملك منهم. (مقد 2، 507، 7) .

-الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بدّ من عودته إلى شعب آخر منها ما دامت لهم العصبية، والسبب في ذلك أن الملك إنما حصل لهم بعد سورة الغلب والإذعان لهم من سائر الأمم سواهم، فيتعيّن منهم المباشرون للأمر الحاملون لسرير الملك. ولا يكون ذلك لجميعهم لما هم عليه من الكثرة التي يضيق عنها نطاق المزاحمة والغيرة التي تجدع أنوف كثير من المتطاولين للرتبة. فإذا تعيّن أولئك القائمون بالدولة انغمسوا في النعيم، وغرقوا في بحر الترف والخصب، واستعبدوا إخوانهم من ذلك الجيل، وأنفقوهم في وجوه الدولة ومذاهبها. وبقي الذين بعدوا عن الأمر وكبحوا عن المشاركة في ظلّ من عزّ الدولة التي شاركوها بنسبهم، وبمنجاة من الهرم لبعدهم عن الترف وأسبابه. فإذا استولت على الأوّلين الأيام، وأباد خضراءهم الهرم، فطبختهم الدولة، وأكل الدهر عليهم وشرب، بما أرهف النعيم من حدّهم، واشتفت غريزة الترف من مائهم، وبلغوا غايتهم من طبيعة التمدّن الإنسانيّ والتغلّب السياسي ... كانت حينئذ عصبيّة الآخرين موفورة، وسورة غلبهم من الكاسر محفوظة، وشارتهم في الغلب معلومة؛ فتسمو آمالهم إلى الملك الذي كانوا ممنوعين منه بالقوّة الغالبة من جنس عصبيّتهم، وترتفع المنازعة لما عرف من غلبهم، فيستولون على الأمر ويصير إليهم.

وكذا يتّفق فيهم مع من بقي أيضا منتبذا عنه من عشائر أمّتهم. فلا يزال الملك ملجأ في الأمّة إلى أن تنكسر سورة العصبية منها أو يفنى سائر عشائرها. سنّة اللّه في الحياة الدنيا، وَ الْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (الزخرف: 35) . واعتبر هذا بما وقع في العرب لمّا انقرض ملك عاد قام به من بعدهم إخوانهم من ثمود، ومن بعدهم إخوانهم العمالقة، ومن بعدهم إخوانهم من حمير، ومن بعدهم إخوانهم التبابعة من حمير أيضا، ومن بعدهم الأذواء كذلك، ثم جاءت الدولة لمضر.

وأصل هذا كلّه إنّما يكون بالعصبيّة؛ وهي متفاوتة في الأجيال؛ والملك يخلقه التّرف ويذهبه، كما سنذكره بعد. (مقد 2، 508، 13) - إنّ وجود الملك خاصّة طبيعيّة للإنسان لا يستقيم وجودهم واجتماعهم إلّا بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت