فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 1207

(مقد 2، 515، 5)

-إنّ العرب لا يحصل لهم الملك إلّا بصبغة دينيّة من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة: والسبب في ذلك أنّهم لخلق التوحّش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمّة والمنافسة في الرئاسة؛ فقلّما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدين بالنبوّة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم، فسهل انقيادهم واجتماعهم. وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس. فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر اللّه، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها، ويؤلّف كلمتهم لإظهار الحق، تمّ اجتماعهم وحصل لهم التغلّب والملك. (مقد 2، 516، 11)

-إنّ الملك والدولة العامّة إنّما يحصلان بالقبيل والعصبية: وذلك ... أنّ المغالبة والممانعة إنّما تكون بالعصبيّة لما فيها من النّعرة والتذامر واستماتة كل واحد منهم دون صاحبه، ثم إنّ الملك منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيويّة والشهوات البدنيّة والملاذ النفسانية فيقع فيه التنافس غالبا، وقلّ أن يسلّمه أحد لصاحبه إلّا إذا غلب عليه؛ فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة؛ وشي ء منها لا يقع إلّا بالعصبيّة كما ذكرناه وشي ء منها لا يقع إلّا بالعصبيّة كما ذكرناه آنفا. وهذا الأمر بعيد عن أفهام الجمهور بالجملة ومتناسون له، لأنّهم نسوا عهد تمهيد الدولة منذ أوّلها، وطال أمد مرباهم في الحضارة وتعاقبهم فيها جيلا بعد جيل؛ فلا يعرفون ما فعل اللّه أوّل الدولة؛ إنّما يدركون أصحاب الدولة وقد استحكمت صبغتهم، ووقع التسليم لهم، والاستغناء عن العصبيّة في تمهيد أمرهم، ولا يعرفون كيف كان الأمر من أوله، وما لقي أولهم من المتاعب دونه؛ وخصوصا أهل الأندلس في نسيان هذه العصبية وأثرها لطول الأمد واستغنائهم في الغالب عن قوّة العصبيّة بما تلاشى وطنهم وخلا من العصائب. (مقد 2، 521، 5)

-إنّ من طبيعة الملك الانفراد بالمجد، وذلك أنّ الملك كما قدّمناه إنّما هو بالعصبيّة، والعصبيّة متألّفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلّها فتغلبها وتستولي عليها، حتى تصيّرها جميعا في ضمنها، وبذلك يكون الاجتماع والغلب على الناس والدول. وسرّه أنّ العصبيّة العامّة للقبيل هي مثل المزاج للمتكوّن؛ والمزاج إنّما يكون عن العنصر؛ وقد تبيّن في موضعه أنّ العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها مزاج أصلا، بل لا بدّ أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعها وتؤلّفها وتصيّرها عصبيّة واحدة شاملة لجميع العصائب، وهي موجودة في ضمنها. وتلك العصبيّة الكبرى إنّما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم؛ ولا بدّ أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم؛ فيتعيّن رئيسا للعصبيّات كلّها لغلب منبته لجميعها. وإذا تعيّن له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت