فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 1207

ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة؛ فيأنف حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكّم فيهم؛ ويجي ء خلق التألّه الذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم، لفساد الكل باختلاف الحكام: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا(الأنبياء:

22). فتجدع حينئذ أنوف العصبيّات وتفلج شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التحكّم، وتقرع عصبيتهم عن ذلك، وينفرد به ما استطاع، حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة ولا جملا، فينفرد بذلك المجد بكلّيته؛ ويدفعهم عن مساهمته؛ وقد يتمّ ذلك للأول من ملوك الدولة، وقد لا يتمّ إلّا للثاني والثالث على قدر ممانعة العصبيّات وقوتها. إلا أنّه أمر لا بدّ منه في الدول. (مقد 2، 539، 15)

-إن من طبيعة الملك الترف، وذلك أن الأمّة إذا تغلّبت وملكت ما بأيدي أهل الملك قبلها كثر رياشها ونعمتها فتكثر عوائدهم؛ ويتجاوزون ضرورات العيش وخشونته إلى نوافله ورقّته وزينته. ويذهبون إلى اتباع من قبلهم في عوائدهم وأحوالهم. وتصير لتلك النوافل عوائد ضرورية في تحصيلها، وينزعون مع ذلك إلى رقّة الأحوال في المطاعم والملابس والفرش والآنية. ويتفاخرون في ذلك ويفاخرون فيه غيرهم من الأمم، في أكل الطيّب ولبس الأنيق وركوب الفاره، ويناغي خلفهم في ذلك سلفهم إلى آخر الدولة. وعلى قدر ملكهم يكون حظهم من ذلك، وترفهم فيه، إلى أن يبلغوا من ذلك الغاية التي للدولة أن تبلغها بحسب قوّتها وعوائد من قبلها. (مقد 2، 540، 16)

-إن من طبيعة الملك الدعة والسكون، وذلك أنّ الأمّة لا يحصل لها الملك إلّا بالمطالبة. والمطالبة غايتها الغلب والملك، وإذا حصلت الغاية انقضى السعي إليها ... فإذا حصل الملك أقصروا عن المتاعب التي كانوا يتكلّفونها في طلبه، وآثروا الراحة والسكون والدعة، ورجعوا إلى تحصيل ثمرات الملك من المباني والمساكن والملابس، فيبنون القصور، ويجرّون المياه. ويغرسون الرياض، ويستمتعون بأحوال الدنيا، ويؤثرون الراحة على المتاعب، ويتأنّقون في أحوال الملابس والمطاعم والآنية والفرش ما استطاعوا، ويألفون ذلك ويورّثونه من بعدهم من أجيالهم. ولا يزال ذلك يتزايد فيهم إلى أن يتأذّن اللّه بأمره، وهو خير الحاكمين. (مقد 2، 541، 5)

-إذا استحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والطاعة أقبلت الدولة على الهرم، وبيانه من وجوه:

الأوّل أنها تقتضي الانفراد بالمجد كما قلناه. وما كان المجد مشتركا بين العصابة، وكان سعيهم له واحدا، كانت هممهم في التغلّب على الغير والذبّ عن الحوزة أسوة في طموحها وقوة شكائمها، ومرماهم إلى العزّ جميعا، وهم يستطيبون الموت في بناء مجدهم ويؤثرون الهلكة على فساده. وإذا انفرد الواحد منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت