فهرس الكتاب

الصفحة 1004 من 4864

قال أبو مُحَمَّد بن حزم في"الإحكام":"... الله تعالى لم يرد إلا ما تَرى لا معقّب لحكمه، وبيانُ ذلك أنَّه قد نعَّم قومًا في الدنيا والآخرةِ؛ كداودَ وسُليمان - عليهما السلام - وأعطاهما اللَّذَّاتِ العظيمةَ والملك السَّنيع والنبوة مع ذلك، وسلَّط على أيّوب - وهو نَبِيّ مثلهما - من البلايا ما لا قِبَلَ لأحدٍ به دونَ ذنب سَلَفَ مِنْهُ ولا إحسانٍ سَلَفَ مِنْ سُليمان وداود على جميعهم الصلاة والسلام، وسلَّط مُحَمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - على جميع أعدائه وعصمه منهم ومنحه النصر عليهم، وسلَّط على أنبياء أُخَر أعداءهم فقتلوهم بأنواع المثل، وكلّهم مع ذلك من مسعودٍ مُسلَّطٍ على عدوّه في الدنيا ومحرومٍ مُسلطٍ عليه عدوُّه فيها، وكلهم مجتمعون في الجنة متنعمون فيها، وفعل بنا ذلك أيضًا، فمن محسنٍ منعَّم ومن محسن مُشقًى، وقد نعَّم أيضًا - عز و جل - ملوكًا من الكُفَّار في الدنيا، وأصحبهم النَّصر والتأييدَ إلى أن قَبَضَ أرواحَهُم إلى النار وهم أطغى خلقِ الله وأكفره وأشدّ تسلّطا على الفواحش، وحرَمَ آخَرين من الكفَّار فقتلهم بالفاقة والجُوع والعُرْيِ والقُمَّل والمُساءلة من بابٍ إلى بابٍ مع العاهاتِ العظيمة والبلايا الشنيعة والأمراض المؤلمة، ثم جعل مجْتَمعَهم في جهنَّم مع منعِهم في الدنيا ومنحوس فيها".

فليستْ قِلة المال أو تسليط الأمراض دليل على أنَّه تعالى ساخطٌ على عبده المبتلَى أو فضَّل عليْهِ أهْلَ الكُفْر، بل يكون ذلك رفعًا لِلدَّرجات وتكفيرًا ومحْوًا لِلسَّيّئات الَّتي لا ينفكُّ عنها الإنسان غالبًا؛ قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت