فلم يَثْبُتْ في السُّنَّة المشرَّفة ما يدلُّ على تَقَدُّم الإمام على المأموم قليلًا؛ إذا كان المأموم واحدًا؛ بل الظاهر أنه يكون عن يَمِينِه محاذِيًا له، لا مُتقدِّمًا عليه ولا مُتأخرًا عنه.
ففي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ برأسه من ورائه، وجَعَلَه عن يمينه".
وفي رواية:"فَصَلَّيْتُ خَلْفَه، فأَخَذَ بيدي، فجَرَّنِي، فجعلني حذاءه، فلما أَقْبَلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صلاته خَنَسْتُ، فصلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلمَّا انصرف قال لي: (( ما شأني أجعلُك حِذَائِي(يعني في الصلاة) فتَخْنُس؟! )). فقلتُ: يا رسول الله، أَوَينبغي لأَحَدٍ أن يصليَ حِذَاءَكَ، وأنت رسول الله الذي أعطاكَ الله؟! قال: فأعْجَبَتْهُ، فدعا الله لي أن يَزِيدَنِي علمًا وفَهْمًا"؛ رواه أحمد، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة:"إسناد صحيح على شرط الشيخين". وهذه الرواية ظاهرةٌ في مشروعية المساواة بينهما؛ لإنكار النبي على ابن عباس تأخُّرَه عنه.
وقد بَوَّب البخاري - رحمه الله - على الحديث بابًا فقال:"بابٌ: يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواءً إذا كانا اثنين".
قال الحافظ ابن حجر في"فتح الباري":"قوله:"سواءً": أي لا يتقدم ولا يتأخَّر، وكأنَّ المصنِّفَ أشار بذلك إلى ما وَقَع في بعض طُرُقِه عنِ ابن عبَّاس بلفظ:"فَقُمْتُ إلى جَنْبِه". وظاهره المساواة. وروى عبدُ الرَّزَّاق عن ابن جُرَيْجٍ قال:"قلتُ لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل، أين يكون منه؟ قال: إلى شِقِّه الأيمنِ. قلت: أيُحاذِي به حتى يَصُفَّ معه، لا يَفُوتُ أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلتُ: أتُحِبُّ أن يُساوِيَهُ حتى لا تكون بينهما فُرْجَةٌ؟ قال: نعم.