-ومنها: إن هذه الحروف"المُقطعة"التي بُدِئَت بها بعض سور القرآن إنما هي أدوات صوتية مُثِيرة لانتباه السامعين، يُقصد بها تفريغ القلوب من الشواغل الصارفة لها عن السَّماع من أول وهلة؛ فمثلا"الم"في مطلع سورة البقرة، وتستغرق قراءتها مسافة من الزمن بقدر ما يتسع لِتِسْعَةِ أصوات، يتخللها المد - مد الصوت - عندما تقرع السمع تُهَيِّئُه، وتجذبه لعقبى الكلام قبل أن يسمع السامع قوله تعالى بعد هذه الأصوات التسعة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2] ، وإثارة الانتباه بمثل هذه المداخل سمة من سمات البيان العالي - الذي لا يعقله إلا العالمون - ولذلك يطلق بعض الدارسين على هذه"الحروف"في فواتح السور عبارة:"قرع عصى"، وهى وسيلة تُستَعْمَل في إيقاظ النائم، وتنبيه الغافل؛ لأن الله - عز وجل - دعا الناس لسماع كلامه، وتَدَبُّر معانيه، قال سبحانه وتعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] .
-ومنها أن فيها سرًا دقيقًا من أسرار الإعجاز القرآني المُفحِم، فإذا تأملتَ ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء - يقصد الحروف - وجدتَها نِصْفَ حروف المعجم - أربعة عشر- وهي:"ا ل م ص ر ك ي ع ط س ح ق ن"يجمعها قولُك: نص حكيم قاطع له سر، وهي أشرفُ منَ الحروف المتروكة.
قال الزمخشري:"إذا نظرتَ في هذه الأربعة عشر وجدتَها مشتملةً على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك أنَّ فيها:"
-من المهموسة نصفَها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء.
-ومن المجهورة نصفَها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون.
-ومن الشديدة نصفَها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف.
-ومن الرخوة نصفَها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون.