الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:
فقد أباحَ الإسلامُ حُريَّة العقيدةِ، بمعنى أنَّه لا يُكْرَهُ أحدٌ على اعْتِناقِهِ ابتداء، ويُسْمَحُ لأهل الكتاب بالبقاء على دِينهم، إلاَّ أنَّه يُلْزِمُهم بالدُّخول تحت سُلطانِه، ودفعِ الجِزْيَةِ، والامتناعِ عن إظهار الكُفْر والدَّعْوَة إليه ونَشْرِه؛ فليس لأحدٍ في دَوْلَة الإسلام أن يَدْعُوَ النَّاسَ إلى الكُفْر، ولا أن يُظْهِرَهُ، لا اليهوديَّة، ولا النصرانيَّة، ولا البوذيَّة، ولا الشُّيوعيَّة، ولا غير ذلك من المذاهب الهدَّامَة.
أمَّا المُرْتَدُّ:
فقد اتَّفَقَ الفُقَهاءُ على أنَّ مَنِ ارتَدَّ من المسلمين أُهْدِرَ دَمُهُ, لَكِنَّ قَتْلَهُ لِلإمامِ أو نائبه, ومن قتله من المسلمين عُزِّرَ فقط; لأنه افْتَأَتَ على حَقِّ الإمام; لأنَّ إِقَامَةَ الحَدِّ له؛ قال ابن قُدامة في المغني:"وأجمع أهل العلم على وُجوبِ قَتْلِ المُرْتَدِّ. ورُوِيَ ذلك عن أبي بكر , وعُمَرَ وَعُثْمانَ, وعلي, ومعاذٍ, وأبي موسى, وابن عباس, وخالد, وغيرهم, ولم ينكر ذلك, فكان إجماعا".
فلا يَجُوزُ إقرَارُ المرتد بعَهْدٍ أو جِزْيَةٍ، وإنَّما يجبُ قَتْلُهُ؛ لأنَّه عَرَفَ فأَنْكَرَ، وأُبْصِرَ فعَمِيَ، وسواءٌ دخل الإسلامَ بالِغًا مُدْرِكًا، أو نَشَأَ فيه صغيرًا.
فإنَّ مَنْ وُلِدَ على الإسلام - فقد اجتَمعَ فيه أسبابُ الهِدايَة ودَوَاعِيها؛ من وِلادَتِه على الفِطْرَة، ونَشْأَتِه بين المسلمين، ومعرفتِه بعظمةِ الإسلام؛ فلا يَرْتَدُّ مثلُ هذا إلا لِخُبْثِ نفسِه، ورَدَاءَةِ عَقْلِه؛ فهو نَبْتَةٌ ضالَّةٌ مُنْحَرِفَةٌ، لا خيرَ في بقائها.