هذا؛ ولما كانت هذه المسألة مخرجة على جواز التعزير بالمال فيحسن التعرض لها بشيء من التفصيل فنقول:
اعلم أن العلماء قد اختلفوا في جواز التعزير بالمال؛ فذهب جمهور الفقهاء - ومنهم: الحنفية والشافعية وأكثر الحنابلة - إلى أنه لا يجوز أخذ مال المسلم أو إتلافه أو إخراجه عن ملكه بالبيع عقوبة بلا سبب شرعي، لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يُقتدى به, ولأن المقصود بالعقوبة التأديب، والأدب لا يكون بالإتلاف. أما النصوص الواردة في العقوبة بالمال، إنما كان في أول الإسلام ثم نسخ، من ذلك: ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم: في مانع الزكاة بخلًا لا إنكارًا لوجوبها: (( إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد - صلى الله عليه وسلم - منها شيء ) )، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في سارق جرين الجبل: (( فيه غرامة مثليه، وجلدات نكال ) )، وقضاؤه - صلى الله عليه وسلم - أن سلب من أخذ وهو يصيد في حرم المدينة لمن أخذه.
كان هذا كله في أول الإسلام ثم نسخ، ثم انعقد الإجماع على أن ذلك لا يجوز، وعادت العقوبات على الجرائم في الأبدان. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس في المال حق سوى الزكاة) ، وفي حاشية ابن عابدين نقلًا عن"البزازية":"إن ما روي عن أبي يوسف من جواز التعزير بمصادرة الأموال فمعناه: إمساك شيء من ماله عنه مدة لينزجر، ثم يعيده له الحاكم، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد من المسلمين بغير سبب شرعي". قال ابن عابدين في"رد المحتار":"أرى أن يأخذها الحاكم فيمسكها، فإن يئس من توبته يصرفها على ما يراه"وقال:"والحاصل أن المذهب عدم التعزير بأخذ المال".