على الفقراء؛ فإن ذلك من إتلافه. وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شِيب للبيع: فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى؛ ففي"المدونة"عن مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض؛ أدبًا لصاحبه، وكره ذلك مالك، في رواية ابن القاسم؛ ورأى أن يتصدق به"."
وقال مالك في الزعفران والمسك بمثل قوله في اللبن إذا غشهما الجاني.
وأجاب - قَدَّسَ اللهُ رُوحَهْ، ونَوَّرَ ضَرِيحَهْ: على من ادعى نسخ التعزير بالمال فقال:"ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبهم ومن نقله مطلقًا عن أي مذهب كان فقد قال قولًا بلا دليل. ولم يجئ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، بل أَخْذُ الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة بذلك بعد موته، دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ".
وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث، ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: أن العقوبات المالية كالبدنية، تنقسم إلى ما يوافق الشرع وإلى ما يخالفه، وليس العقوبة المالية منسوخة عندهما. والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ، لا من كتاب ولا سنة، وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة، إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة.
وقال: وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير.
فالأول المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعًا لها مثل: الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها. وكذلك آلات الملاهي، مثل الطنبور، يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء. وهو مذهب مالك، وأشهر الروايتين عن أحمد. ومثل ذلك: أوعية الخمر يجوز تكسيرها وتخريقها. والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه. وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم.