فلا يهولَنَّكُم ما ترون من غفلة الناس عن الموت وعدم ذكره حق ذكره، فإنها نعمة من الله سبحانه، بها تُقَوَّم الدنيا ويَصلُح الدين. وإنما تُذَم قوة الغفلة الموجبة للتفريط وإهمال المحاسبة للنفس، وتضييع الزمان في غير التزوُّد، وربما قويت فحملت على المعاصي. فأما إذا كانت بقدرٍ كانت كالملح في الطعام لا بد منه، فإن كَثُرَ صَار الطعام زعافًا. وقال: لا بد لها من التلطف، فإن قاطع مرحلتين في مرحلة خليق بأن يقف. فينبغي أن يقطع الطريق بألطف ممكن. وإذا تعبت الرواحل نهض الحادي يغنيها، وأخْذُ الراحة للجد جد، وغوص السباح في طلب الدر صعود. ودوام السير يُحْسِر الإبل، والمفازة صعبة. ومن أراد أن يرى التلطف بالنفس فلينظر في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يتلطف بنفسه، ويمازح ويخالط النساء، ويقبل ويمص اللسان، ويختار المستحسنات، ويستعذب له الماء ويختار الماء البارد، والأوفق من المطاعم كلحم الظهر والذراع والحلوى، وهذا كله رفق بالناقة في طريق السير.
فأما من جرد عليها السوط فإنه يوشك أن لا يقطع الطريق.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى ) )، واعلم أنه ينبغي للعاقل أن يغالط نفسه فيما يكشف العقل عن عواره، فإن فكر المتيقظ يسبق قبل مباشرة المرأة إلى أنها اعتناق بجسد يحتوي على قذارة، وقيل بلع اللقمة إلى أنها متقلبة في الريق ولو أخرجها الإنسان لفظها.
ولو فكر في قرب الموت وما يجري عليه بعده، لبغض عاجل لذته، فلابد من مغالطة تجري لينتفع الإنسان بعيشه كما قال لبيد:
واكذِبِ النَّفْس إذا حدَّثْتَها إنَّ صدْقَ النَّفسِ يُزْرِي بالأَمَلْ
وقال البستي:
أفِدْ طَبْعَكَ المَكْدُود بالهمِّ رَاحةً بِرَاح، وعلِّلْهُ بشيءٍ مِنَ المَزْحِ
لكِنْ إذا أعطيْتَه المَزْحَ فَلْيَكُنْ بمقدارِ ما نُعْطِي الطعامَ من المِلْحِ
قال أبو علي بن الشبل: