-وقد احتج بعض دعاة القومية على جواز موالاة النصارى والاستعانة بهم بقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المَائدة: 82] . وزعموا أنها ترشد إلى جواز موالاة النصارى، لكونهم أقرب مودة للذين آمنوا من غيرهم، وهذا خطأ ظاهر وتأويل للقرآن بالرأي المجرد، المصادم للآيات المحكمات المتقدم ذكرها وغيرها، ولما ثبت في السنة المطهرة من التحذير من موالاة الكفار، من أهل الكتاب وغيرهم وترك الاستعانة بهم؛ وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: مَنْ قال في القرآن بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار [5] . والواجب أن تفسر الآيات بعضها ببعض، ولا يجوز أن يفسر شيء منها بما يخالف بقيتها، وليس في هذه الآية بحمد الله ما يخالف الآيات الدالة على تحريم موالاة الكفار من النصارى وغيرهم، وإنما أُتِي هذا الداعية من سوء فهمه وتقصيره في تدبر الآيات، والنظر في معناها والاستعانة على ذلك بكلام أهل التفسير المعروفين بالعلم والأمانة والإِمامة. ومعنى هذه الآية على ما قال أهل التفسير، وعلى ما يظهر من صريح لفظها: أن النصارى أقرب مودة للمؤمنين من اليهود والمشركين، وليس معناها أنهم يوادّون المؤمنين، ولا أن المؤمنين يوادّونهم. ولو فُرض أن النصارى أحبوا المؤمنين وأظهروا مودتهم لم يجز لأهل الإِيمان أن يوادوهم ويوالوهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد نهاهم عن ذلك في الآيات السالفات؛ ومنها قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المَائدة: 51] .