وعلى فرض أن هذه المسألة محل خلاف بين العلماء فهذا لا يعني مطلقا أن نتخير من أقوالهم ما يروقنا؛ فالله تعالى قد أفترض على عباده عند مسلكًا واحدًا الاختلاف، وهو الرجوع إلى حُكْمِ الكتاب والسُّنَّةِ؛ قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] ، وقال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59] ، وقال الله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .
ولم يقل سبحانه أننا عند الخلاف نتخيَّرُ من أقوال العلماء ما يوافق هوانا؛ فإن مَنْ فعل ذلك كان فاسقًا بإجماعِ العُلماء؛ كما قال ابن عبد البَرِّ، فالعامِّيُّ ليس أهلًا للنظر في الأحكام الشرعية حتى يصحِّحَ أقوال العلماء أو يُخَطِّئَها، أو يَتَخَيَّر منها ما يشاء، ومن فعل ذلك فهو على خطر عظيم، وقد قال سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ:"لو أخذتَ برخصة كل عالم، اجتمع فيكَ الشَّرُّ كلُّه". وقيل:"مَنْ تَتَبَّعَ رُخَصَ العلماء تزَنْدَقَ". وقال الإمام أحمد:"لو أنَّ رجلًا عمِل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا".
وقال الأوزاعي:"من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام".
قال أبو محمد بن حزم في"الإحكام":"فلم يُبِحِ اللهُ تعالى عند التنازع والاختلاف أن يُتَحاكَمَ أو يُرَدَّ إلا إلى القرآن وكلام الرسول".
وقال:"فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليرُدَّ ما اختلف فيه من الدين إلى القرآن والسنة الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وليتَّقِ الله، ولا يرد ذلك إلى رجل من المسلمين لم يُؤْمَرْ بالرد عليه، ومن أبى فسيرد ويعلم".