وَكَذا أَخْبَرَنا اللَّهُ في كتابِهِ عَنِ اتِّساعِ الكَوْنِ فقالَ: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذريات:47] ، والآيَةُ دلت على أن الكَوْنَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ السَّماءِ هُوَ في حالَةِ تَوَسُّعٍ دائِمٍ، فلَفْظُ (لَمُوسِعُونَ) اسْمُ فاعِلٍ بِصيغَةِ الجَمْعِ لِفِعْلِ أَوْسَعَ، يُفيدُ الاسْتِمْرارَ، وهَذا ما أَثْبَتَهُ العِلْمُ الحَديثُ.
ومِنْ ذَلِكَ إخْبَارَ القُرْآنُ عن َنشْأَةُ الكَوْنِ بِالانْفِجارِ العَظيمِ؛ فقالَ تَعالَى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) ] [الأنبياء:30] . ومَعْنَى الآيَةِ: أَنَّ الأَرْضَ والسَّمَواتِ بِما تَحْويهِ من مجَرّاتٍ وكَواكِبَ ونُجُومٍ، والتي تُشَكِّلُ بمجموعِها الكَوْنَ الذي نَعيشُ فيه كانَت في الأصْل عبارةً عن كُتلةٍ واحدةٍ ملتصِقةٍ، وقَوْلُه (رَتْقًا) أي: مُلتصِقتَيْنِ، إذِ الرتْقُ هُوَ الالْتِصاقُ، ثُمَّ حَدَثَ لهذه الكُتْلَة فَتْقٌ أَيِ انْفِصالٌ وانْفِجارٌ تَكَوَّنَتْ بَعْدَهُ المجَرّاتُ والكواكبُ والنُّجومُ، وهَذا ما كَشَفَ عَنْهُ عُلماءُ الفَلَكِ في نِهايةِ القَرْنِ العِشْرينَ، وصَلُوا إِلَيْها بَعْدَ جَهْدٍ جَهيدٍ، وزَمَنٍ مَديدٍ؛ فَفي عام 1927م عَرَضَ العالِمُ البِلْجيكي"جورج لوميتر"نَظَريَّةَ الانْفِجارِ العظيمِ، والَّتي تَقُولُ بِأَنَّ الكَوْنَ كانَ في بَدْءِ نَشْأَتِه كُتْلَةً غازيَّةً عظيمةَ الكَثافَةِ واللَّمَعانِ والحَرارَةِ، ثُمَّ بِتَأْثيرِ الضَّغْطِ الهائِلِ المُتَأَتّي من شِدَّةِ حَرارَتِها حَدَثَ انْفِجارٌ عَظيم فَتَقَ الكُتْلَةَ الغازيَّةَ، وقَذَفَ بِأَجْزائِها في كُلِّ اتِّجاهٍ، فَتَكَوَّنَتْ مَعَ مُرُورِ الوَقْتِ الكَواكِبُ والنُّجُومُ والمجَرّاتُ.